رمضانيات

رمضانيات

تهاليل رمضان: نفحات السحر وروح الجماعة

منير لكماني

في الثلث الأخير من الليل، حين يهدأ الضجيج وتصفو الأرواح، تتعالى من مآذن المساجد أصوات التهاليل الرمضانية، فتنساب في الأزقة والبيوت كنسيم روحاني يوقظ القلوب قبل الأجساد. وتعد تهاليل الفجر من أبرز المظاهر التقليدية التي ارتبطت بشهر رمضان، إذ تؤدي وظيفة دينية وإجتماعية في آن واحد، وتمنح لحظات السحر طابعا خاصا يميز هذا الشهر عن سائر أيام السنة.

نداء السحر ومعناه الروحي

ليست التهاليل مجرد نداء يسبق أذان الفجر، بل هي مناجاة إيمانية تتردد فيها عبارات التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في نسق شجي يوقظ الإحساس بخشوع السَّحر وبركاته. فالتهليل، في معناه اللغوي والشرعي، هو التوحيد بقول: “لا إله إلا الله”، غير أنه في العرف الرمضاني اتسع ليشمل الأذكار والأدعية المرتلة التي ترفع قبيل الفجر، فتذكر الناس بقيام الليل، وتدعوهم إلى السحور والإستعداد لصلاة الفجر.

وظيفة تتجاوز التنبيه إلى المؤانسة

تكمن خصوصية التهاليل في أنها لا تؤدي وظيفة التنبيه فقط، بل تمارس أثرا وجدانيا عميقا. فهي توقظ النائمين برفق، وتؤنس القائمين، وتبعث في القلوب طمأنينة خفية مع إقتراب إنبلاج الصبح. ولهذا ارتبطت في الذاكرة الشعبية بوصفها صوتا أليفا يبدد وحشة الليل، حتى لقبت قديما في بعض البيئات بـ”مؤنس المرضى”، لما تحمله من معاني السكينة والمواساة للمرضى والوحيدين والساهرين.

حضور واسع في الحواضر والبوادي

تنطلق التهاليل من الجوامع الكبرى كما من المساجد الصغيرة والزوايا، في المدن كما في القرى، لتشكل مشهدا موحدا تتناغم فيه الأصوات والوجدان. وغالبا ما يبدأ المهلل بعبارات جامعة مثل: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله”، ثم ينتقل إلى الثناء على الله تعالى، فالدعاء للمسلمين، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ متنوعة. ويؤدى ذلك كله على مقامات وألحان موروثة، تحمل أثر الزمن الجميل، وتمنح هذا الطقس الرمضاني نكهته الأصيلة.

بنية تقليدية متدرجة

للتهاليل بنية معروفة تتدرج في فقرات متناسقة تبدأ بالاستغفار والذكر، ثم الدعاء العام للأمة، فالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم. وتأتي بعد ذلك “التوسعة”، وهي أدعية تتوسل باسم الله الواسع وكرمه ورحمته، ثم “التحضيرة” التي تدعو الناس صراحة إلى الإستيقاظ للسحور واغتنام السحر. وبعدها يحضر “التذهيب” بما يتضمنه من إشارات إلى انقضاء الليل واقتراب الصباح، قبل أن تختتم التهاليل بـ”التصبيحة” التي تعلن دخول النهار بعبارات الذكر والحمد. وهذه البنية لا تعبر فقط عن انتظام الأداء، بل تكشف أيضا عن ثراء هذا التراث وتنوع مواده بين الدعاء والشعر الديني والمواعظ والإاقتباسات القرآنية.

طقس جماعي يرسخ روح الشهر

ويواكب الناس هذه التهاليل بآداب متوارثة تعبر عن عمق حضورها في الحياة الرمضانية. فكثيرون يستعدون للسحور قبل إنطلاقها بقليل، ثم ينصتون إليها بخشوع، رافعين أكف الدعاء، ومرددين “آمين” خلف أدعية المهلل. وبعد الأذان، تتواصل في بعض البيوت أو الأحياء أجواء الذكر والتصلية، في مشهد يختلط فيه التعبد بالعادات الاجتماعية، وتبرز فيه روح الجماعة التي تجعل من وقت السحر موعدا يوميا جامعا بين الإيمان والألفة.

ذاكرة حية تربط الماضي بالحاضر

ورغم تطور الوسائل الحديثة وانتشار المنبهات الإلكترونية، ما تزال تهاليل رمضان تحتفظ بمكانتها الوجدانية، خاصة لدى كبار السن الذين يرون فيها جزءا أصيلا من الذاكرة الرمضانية. فهي ليست مجرد تقليد صوتي عابر، بل جسر حي يربط الأجيال بعضها ببعض، ويصل الماضي بالحاضر في لحظة إيمانية تتكرر كل فجر. ومن هنا تظل تهاليل رمضان شاهدا على قدرة التراث الروحي على البقاء، لأنها لا تخاطب السمع وحده، بل تمس الوجدان، وتحيي في النفوس معنى الانتماء إلى شهر البركة والمغفرة.

10/03/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *