خواطر امرأة

خواطر امرأة

الباب الذي لم يعد يناديني.

لا تسأل الدار عمن كان يسكنها . الباب يخبر أن الأهل قد رحلوا
هي دار الوالدين بمدينة ” بركان “مسقط الرأس تعرف من سكنها، لكنها اختارت الصمت . وبابها الذي طالما انفتح مع فجر كل يوم على دعاء خافت للمرحوم “سي أحمد ” الوالد المناضل الصموت . وأغلق على وصية مسائية للوالدة المرحومة الفاضلة ” الصافية ” . هو وحده من يجرؤ على القول : ان ركائز البيت واعمدته قد رحلوا تباعا .
فحين تهزني الذكرى وأتخيل نفسي واقفة أمام ذاك الباب الصامت والصامد في وجه كل الأعاصير ، لا أبحث عن الوجوه بل عن نبرة الأصوات المفتقدة التي كانت تسبق فتحه مرحبة بكل قادم . أبحث عن تلك الخطوات التي كنت أعرفها حتى قبل أن تلامس عتبة الباب . فأفهم متأخرة ، أن الطمأنينة كانت تسكن هنا والمحبة تقيم هناك ؛ قبل أن تغادر إلى غير رجعة .
ومع مرور الزمن وتوالي المحطات … الأحداث ، يتحول الفقد إلى تفاصيل صغيرة موغلة في الوجع.
فالمفتاح المفتقد لم يعد يُدَار بالطريقة نفسها ، وفراش البهو لم يعد يطلب أي أحد ، أما رائحة القهوة الصباحية فلم تعد تزور الصباح إلا عابرة . ومذاق الشاي المسائي افتقد حلاوته . وساعة الجدار توقفت ليس لأن بطاريتها نفذت ، بل لأن الزمن تغيّر . أما شجرة البرتقال التي تتوسط البيت ، فيعلم الله حالها وهي التي اشتكت كثيرا من الإهمال الذي لحقها بغياب صاحبها.
وها قد عاد الشتاء لأتذكر الصباح الأخير الذي أضاءت فيه الشمس غرفة الوالدين ، وتلك اللحظة التي اكتشفنا فيها صمتها الطويل،وكيف ظل الباب مغلقا يحرس سرّها حتى بعد الرحيل .
كل شيء فيك أيتها الدار – قد – يبدو كما كان ، إلا أنه صامت بطريقة لم نعتدها: الجدران لم تعد شاهدة على الموائد ، الضحكات ، الأحاديث ،
الهواء المُعَطَّر برائحة البرتقال ، خطوات الحَاجَّة الصافية التي صارت في سِفْرِ الذكريات…
أبواب الغرف التي كانت لاتُغلق أبدا ستبقى دوما شاهدة على يد كانت تُصْلِح أكثر مما تُغْلِق ، تعطي أكثر مما تأخذ، وعين كانت تَفْتَح قبل أن نَطْرُق. وكأني اليوم، وأنا أتخيل وضع اليد على الخشب البارد ، أحس أن الغياب ليس في المكان …
ومعه لم أكن أدرك :
* أن السؤال اليومي البسيط كان طقس أمان .
* أن العتاب الخفيف كان شكلا من أشكال الحب .
* أن الصمت الذي يعقب المساء لم يكن فراغا، بل حضورا مطمئنا.
وها أنا اليوم أفهم ما تُعَلِّمُه لنا الأبواب بصبرها الطويل :
فالراحلون قد لا يغادرون دفعة واحدة . لأنهم يتركون ظلالهم ، ذكراهم في المفاتيح ، وأصواتهم في الممرات ، وأسماءهم غير المنطوقة في صدورنا المثقلة بالأسى والأسف .
لهذا فإني لا أسأل الدار عمَّن كان يسكنها ، يكفيني أن أقف – من بعيد – أمام الباب فأدرك ، كما أدركت مرارا أن رحيل الوالدين ليس غيابا كاملا ، بل هو انتقال هادئ من العتبة… إلى القلب المتعب .

ثريا الطاهري الورطاسي

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com