قصة قصيرة للكاتب المغربي بنصالح

قصة قصيرة للكاتب المغربي بنصالح

بالاحمر: انتقام مؤجل…

الزمن نهاية الستينيات… في سهول الغرب الفسيحة والخصبة… كان والدي أحد كبار الاقطاع الفلاحي…. ورث والدي عن جدي مئات الهكتارات واضاف اليها ضعية كبيرة لا يحدها نظر…اشتراها من أحد المعمرين الذين قرروا مغادرة البلاد بعد الاستقلال … والدي كان يشغل المقعد البرلماني عن دائرة الغرب….. توفي والدي بشكل مفاجئ في التاسع والعشرين من دجنبر 1969 كان عمري وقتها احد عشر عاما… ورثت وأخي الاكبر خميس كل املاك والدنا ، كما ورث اخي المقعد البرلماني الذي لم يخرج عن عائلتنا لعقود…. عائلة الشرادي…
ورث اخي عن والدي سطوته لا بل زاد عليه غطرسة وقساوة القلب كأنه حجر صوان …. فالشفقة والرحمة والعفو خصال كان ابعد ما يكون عنها… كانت له عقلية العبيد ليس فقط مع المزارعين البسطاء والخماسة بل حتى مع من هو من صلبه ودمه…. نشأت تحت سطوة وغلظة وقساوة اخي … حولني الى هيكل آدمي مفزوع معدوم الشخصية مقطوع عن العالم لم اعرف الأقران ولا الاصحاب … في سنوات التمدرس كنت تحت حراسة عمي قدور تراس العائلة فهو من كان يقلني ذهابا وايابا الى المدرسة التى كانت تبعد عن ضيعتنا بخمسة عشر كلم….مع مرور السنوات كان يتكلس بداخلي حقدا وغلا تجاه أخي … أخي خميس كان يتمثل نفسه نبيلا اوروبيا من القرون الوسطى ولكن بالجلباب والسلهام والعمامة الصفراء والصولجان….
ذات صباح باكر ماطر جاء عمي قدور مناديا بأعلى صوته…. واسعييييد والحاج خميس … نهضت فزعا ، اطللت عليه من شرفة الطابق العلوي…. شكاين اعمي قدور ياك لاباس…. وفيق الحاج الخميس اشوف واحد المصيبة…. نهض خميس على صراخ عمي قدور وهو يشتاط غضبا … سار عمي قدور أمامنا ونحن نتبعه دون ان يفصح عن المصيبة التى ادعاها…. وصلنا مخزنا بجوار حضيرة الابقار… فتح عمي قدور الباب … ذهلنا … فتاة في بداية عقدها الثالث مبتلة الثياب والشعر ممددة فوق بالتين من التبن شبه مغمى عليها…. بغضب سأل خميس عمي قدور: من هذه المرأة ، ومن اتى بها ، كيف ومتى؟ ادعى عمي قدور أنه وجدها على هذه الحالة أمام بوابة مدخل الضيعة وعطفا عليها ادخلها …

قال خميس لعمي قدور وهو يمسح جسم الفتاة بنظره المتردد :شكون قالك دخلها… أمرني خميس بمحاولة افاقة الفتاة …. دنوت منها وقد سرى في كياني تيار كهربائي زلزلني من الداخل…. بصفحة كفي ربتت على خدي الفتاة دون ان تحرك ساكنا ثم صرت الطمها شبه صفعات خفيفة…. فتحت الفتاة بتثاقل عيناها الواسعتين السوداوين…. انكمشت كقطة مذعورة … لاول مرة ارى اخي خميس يتكلم مع مخلوق آدمي برقة وحنان….اقترح عمي قدور على خميس ان يتخذ الفتاة كخادمة تساعد زوجته…. بعد أن استأنست عواطف بالدار وسكانها صارت تتعمد ابراز مفاتنها …. هي أنثى فائرة ذات جمال يخلب لب اي رجل…. اشعلت في عواطف كل غرائزي المدفونة، انا الذي لم يسبق له ان لمس انثى من قبل أو اختلى بصديقة ولو لدقيقة وانا في كامل فورة الشباب … صارت عواطف هاجسي كابوس احلامي ويقضتي…. ذات ليل سولت لي نفسى العطشى ان تسللت الى غرفة عواطف…. كانت ممدة شبه عارية كعمود رخمام يوناني…. فزعت انكمشت تستر صدرها الناتئ كعبوة نسفت كياني وزلزلت اركاني…. تمنعت عواطف وقاومت هيجان الذئب الكامن بداخلي…. في الحلال ، قالت عواطف في الحلال اسي سعيد ….
صبيحة تلك الليلة على مائدة الفطور نادى خميس زوجته ، افرد صدره ونقر بصولجانه على الطاولة : اسمعوا انا قررت الزواج من عواطف واتفقت معها….. تحجرت الدموع في عيون زوجته خديجة وشل لسانها…. بداخلي احسست بمرجل يغلي بدرجة الانصهار…. انتفضت واقفا وصخرت فيه: انت دائما تأخذ لنفسك ما تمنعه عن الأخرين …. انا لست عبدا عندك انا صاحب حق هنا مثلك ، عواطف انا من سيتزوجها لقد اتفقت معها ليلة البارحة…. لم يتوقع خميس ان يكون ردي بهذا العنف … فهوى علي بصفعة أفقدتني توازني … لمحت حسكة الشمع النحاسية كانت على مقربة منى …. بكل الحقد والغل المتكلس بداخلي ، هويت بها على رأس خميس مرتين وثلاثة واربعة … انفجر الدم وخر صريعا…. ارتمت خديجة فوق جثته تولول وتصفق ساقيها….. بقيت مشدوها مشلول العقل والحركة…. ماعادني الى رشيدي غير زغرودة أطلقتها عواطف التفت الى مصدرها ، لفيتها واقفة والشماتة تقطر من عينيها كلبوءة مسعورة…. صرخت فيها بكل مافضل في من طاقة من انت ؟ أطلقت ضحكة فاجرة…. ردت والسعادة تضيء وجنتيها الطافحتان…. انا ابنة سي عبد السلام الكرومي…..
عادت بي الذاكرة الى سنوات خلت كنت يومها طفلا ارافق اخي خميس لصيد طيور السمان … عبد السلام الكرومي كان خادما عندنا … كان يرافقنا لجمع السمان …. رصاصة طائشة من بندقية خميس اخترقت رئته ومات…. ولطمس الجريمة دفناه في الضعية … وسلم والدي ابنته الوحيدة الى دار الايتام…. وحده عمي قدور كان يعرف تلك الدار ….. ظل عمي قدور على اتصال بعواطف خفية عن والدي…. مجيئ عواطف الى بيتنا كان بتدبير وتواطؤ عمي قدور…. فتحت قضية عبد السلام الكرومي واستخرج جثمانه بمعرفة النيابة العامة…حوكمت بخمسة عشر سجنا نافذا . ..
بعد مرور سنة زارتني عواطف في السجن………

ذ. عبد العزيز بنصالح

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com