بصيرة معطّلة في زمن التدفق

بصيرة معطّلة في زمن التدفق

حين يُصنع الجهل بصمت

منير لكماني

ليس الجهل في المغرب ظاهرة عارضة أو بقايا ماضٍ زائل، بل منظومة حيّة تتجدد بأشكال أكثر تعقيدًا وحداثة. في عصرٍ يتغنى بالوصول الحر للمعلومة، يتسلّل الجهل من نوافذ رقمية، ويُصنّع داخل المؤسسات، ويُغلف في عباءات دينية أو وطنية أو إعلامية. لم يعد الجهل ما لا نعرفه، بل ما نُلقّن أننا لا نحتاج إلى معرفته.

وراء هذا المشهد، تكشف المعطيات عن معمار خفيّ لانتشار الجهل، مدعوم بضعف التكوين، وضبابية الخطاب، ووفرة المعلومة السطحية. إنه جهل ناعم، لا يظهر في الأرقام الرسمية فقط، بل في تفاصيل اليومي المغربي، في المدارس والجامعات، في التلفاز والمنصات، وفي المقاهي والدواوين.

المدارس كمصانع للجهل الناعم

في المدارس، يُعلَّم الطفل المغربي أن النجاح هو الحفظ، وأن التفكير النقدي ترف، وأن الكتب للامتحانات لا للحياة. تشير دراسة ميدانية على تلاميذ الثانويات إلى أن 77% منهم لا يتحققون من صحة المعلومات التي يتلقونها، بل يثقون بها تلقائيًا ما دامت مكتوبة أو منطوقة بلغة رسمية. أما المفارقة الكبرى، فهي أن 64% من هؤلاء التلاميذ يعتبرون مواقع التواصل الاجتماعي مصدراً موثوقاً للمعرفة، بينما لا يتجاوز اعتمادهم على المصادر الأكاديمية نسبة 22%.

الجهل هنا ليس نتيجة فقر معرفي فقط، بل خلل في كيفية صناعة العلاقة مع المعلومة. التعليم المغربي، في كثير من تجلياته، لا يجهّز التلميذ للحياة، بل يعلّمه كيف ينجو من منظومة تقويمية غير عادلة. وفي غياب أدوات الفحص والتحليل، يصبح التلميذ فريسة سهلة للمعرفة المضلّلة، سواء عبر الإعلام أو الدين أو حتى السلطة.

الفضاء الرقمي: طوفان من المعلومات… وقليل من الفهم

المفارقة الحقيقية أن المغرب، رغم ولوجه الواسع إلى الإنترنت، يعاني من أمّية معرفية رقمية عميقة. فحسب تقرير معهد “رويترز” للصحافة الرقمية، فإن 54% من المغاربة يعترفون بعدم قدرتهم على التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيّفة. وبحسب دراسة أخرى من جامعة مغربية مرموقة، فإن أقل من 10% من الشباب يملكون مهارات فعالة للتحقق من الأخبار (fact-checking).

في المقابل، نجد نسبة عالية من المستخدمين يشاركون الأخبار بناءً على عناوينها فقط، دون قراءة المحتوى، وهو ما يجعلهم ينشرون الجهل دون قصد. وتنتشر في المنصات المغربية تفسيرات خرافية للسياسة والاقتصاد وحتى للطب، دون تدخل جاد من المنصات أو المؤسسات التعليمية لتصحيح المسار.

المؤسسات كمنتجين للجهل الهيكلي

الجهل في المغرب ليس شعبيًا فقط؛ إنه أيضًا مؤسسي. ففي حين أن بعض الجامعات المغربية تسجّل تطورًا نسبيًا في البحث الأكاديمي، فإن الغالبية لا تترجم أبحاثها إلى سياسات أو برامج تنموية. المعرفة تظل داخل جدرانها، ولا تُحوّل إلى أدوات مجتمعية. بل إن النظام الأكاديمي نفسه يعاني من انغلاق وتخصص مفرط يجعل من المعرفة سلعة نخبوية.

الإعلام، من جهته، يساهم في نشر الجهل عبر الترويج لخطاب تبسيطي، إما تبريري للسلطة أو تغييبي للواقع. ويغيب التحقيق الاستقصائي، وتُستبدل المواجهة الصحفية الصارمة ببرامج ترفيهية سطحية.

أما على مستوى القرار، فإن عدم إتاحة المعطيات العمومية بشكل منظم وشفاف، يعمّق الجهل العام حول قضايا مصيرية مثل الصحة، التعليم، الدين العام، والتحولات الاقتصادية. نحن أمام إنتاج مستمر للجهل، لا لأنه مفروض فقط، بل لأنه يخدم توازنات قائمة.

حين يكون الجهل خيارًا جماعيًا

لا يكفي أن نحمّل المؤسسات المسؤولية. هناك أيضًا جهل اختياري تمارسه فئات واسعة، عن قصد أو عن ارتياح. فهناك تواطؤ ضمني داخل المجتمع لقبول المعارف السطحية، ورفض المعارف التي تتطلب جهدًا نقديًا. يُفضل كثير من الناس الراحة في الجهل على القلق في الفهم. وتنتشر، حتى بين المتعلمين، مقولات جاهزة لا تُراجع، بل تُقدّس: “هذا معروف”، “هذه أمور فوق فهمنا”، “العلماء قالوا كذا”.

هكذا يتحوّل الجهل إلى عادة فكرية، وإلى مناخ اجتماعي، يصعب خلخلته إلا بصدمة أو انهيار. والمعرفة، في المقابل، لا تجد من يحتضنها لأنها تُربك، وتقلق، وتُطالب بالمساءلة.

الضوء القادم من الهوامش

رغم هذا المشهد القاتم، لا يخلو الواقع المغربي من نقاط مقاومة. في مناطق ريفية مثل أزيلال وتنغير، تنشط جمعيات مدنية تعمل على خلق فضاءات تعلم بديلة، من مكتبات متنقلة إلى حصص دعم بالعربية والأمازيغية. كما ظهرت في السنوات الأخيرة منصات رقمية مغربية يطلقها شباب وشابات لتبسيط العلوم، ونقد الأخبار الزائفة، وإحياء التفكير الفلسفي بلغة مبسطة.

هذه المبادرات، وإن كانت متناثرة، تشير إلى أن المعرفة قادرة على العودة من الهوامش، لا من المركز. وأن الجهل، مهما توسّع، ليس قدَرًا ثابتًا، بل حالة قابلة للكسر.

المعركة القادمة: المعرفة كحق لا كترف

لمواجهة الجهل المتجدّد في المغرب، لا بد من إعادة تعريف المعرفة بوصفها أداة للتحرر، لا للهيمنة. يجب أن تتحوّل المناهج الدراسية إلى مختبرات للتفكير، لا مصانع للامتحانات. وأن ينخرط الإعلام في المساءلة، لا في الترويج. وأن تعي الدولة أن الشفافية ليست مجرد خيار، بل شرط لثقة المواطن.

كذلك يجب على المجتمع المدني أن يتحمّل مسؤولية تأسيس مناعة فكرية، من خلال الورش، والمحتوى البديل، والتكوين المستمر. المعرفة ليست معلومات محفوظة، بل قدرة على السؤال، وعلى الشكّ، وعلى الاستماع.

الجهل ليس غيابًا… بل نظام

في المغرب، كما في أماكن كثيرة من العالم، الجهل لا ينشأ من الفقر فقط، بل من سياسة طويلة الأمد، ومن ثقافة تتواطأ على التبسيط، ومن إعلام يستهين بذكاء الجمهور. لكن مقاومة الجهل لا تتطلب ثورة فقط، بل إصرارًا هادئًا وممتدًا. مقاومة الجهل مشروع وطني، لا حزبي، ثقافي لا شعاراتي، يومي لا ظرفي.

فلنبدأ بالسؤال: ماذا نعرف؟ ومن يمنحنا الحق في أن نعرف؟ وما الثمن الذي ندفعه حين نقرر أن نبقى في الظلام؟

ألمانيا : 27/06/2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com