أصدقاء المغرب:فريدرك دامغارد

أصدقاء المغرب:فريدرك دامغارد

راعي الفن بمدينة الصويرة

فريدرك دامغارد Frédéric Damgaard

أحمد قابيل

إنهم رجال سياسة أو صحفيون، كتاب أو فنانون، علماء، أطباء، حقوقيون وشخصيات مختلفة، أوربيون، أمريكيون، ولدوا في المغرب، بعضهم قدم إليه من أجل لقمة العيش، وبعضهم يعيش خارج المغرب ولكنهم جميعا أحبوا المغرب – الشعب أو الأرض والطبيعة، الماضي أو الحاضر قدموا إليه خدمات جليلة وأعطوه جهدهم وفكرهم ووقتهم، بل إن بعضهم ضحى بحياته من أجله، من أجل أن يعيش المغرب حرا كريما…إنهم أصدقاء المغرب
************

للصويرة اشعاعها الثقافي والفني الذي أصبحت معروفة به “مهرجان كناوة” ، حفلات الموسيقى الأندلسية والكلاسيكية، ولكنها أصبحت معروفة أيضا بفنانيها التشكيليين العصاميين، فنانون تعرض لوحاتهم الآن في العديد من بقاع العالم، ويلقون كثيرا من الشهرة والاقبال والاهتمام، نظرا لخصوصية الأسلوب الذي يرسمون به ويصبغون، حتى أصبح من الممكن الحديث الآن عن مدرسة فنية تشكيلية خاصة بمدينة الصويرة_ _ويرجع الفضل بالدرجة الأولى لناقد ودارس للفن قادم من احدى بلدان الشمال هي الدانمارك، افتتن بالمدينة واستقر بها منذ 35 سنة.
جاء فريديريك دامغارد Frédéric Damgaard إلى المغرب في ربيع 1969، وكان قبل ذلك قد زار كل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط لتعميق معرفته بالفن الاسلامي، كما زار بلدانا أخرى مثل ايران والعراق_ _في المغرب اكتشف أولا سحر مراكش ومعالمها التاريخية وانبهر بجمال وأناقة الكتبية، لكنه حين رأى مدينة الصويرة، وقع في هيامها يتذكر دامغارد ما أحس به حين شاهدها لأول مرة من أعلى المرتفع الذي يطل عليها “بدت لي الصويرة جنب الماء مثل سراب يطفو بين السماء والأرض، امتلكتني ارتعاشة عاطفية، وكانت بداية عشق حقيقي، وكنت وأنا أطوف في أزقة المدينة كأنني غارق في عالم سحري، هذا السحر الفاتن كان أيضا أحد أسرار عشقي، عشق ظل يتعمق مع مر السنين ” وكلما ابتعد عنها إلى مدن أخرى أحس بالحنين إليها، فقرر أن يستقر بها بصفة نهائية في منزل بالمدينة العتيقة وأخذ يقرأ عن تاريخها ويتعرف على واقعها الاجتماعي والثقافي والفني بالأساس، وبدأ لديه هوى جديد وهواية جديدة هي جمع ما يمكن جمعه من لوحات وأعمال لمختلف فناني المدينة الذين تعرف عليهم، وعلى رأسهم قيدومهم بوجمعة لخضر، ثم قرر فتح رواق لعرض هذه الأعمال يقع داخل المدينة ويطل على ساحة المشور، كان ذلك في غشت 1988. افتتح الرواق دون صخب إعلامي، ومع ذلك أخذ الصويريون يتقاطرون للتمتع برؤية لوحات فنانين من أهل مدينتهم_ _وبدأ العديد من الرجال والنساء بعضهم شيوخ وبعضهم شباب يتقدمون إلى الرواق حاملين تحت أذرعهم لوحاتهم الجديدة_ وكأن كل فناني المنطقة الناشئين كانوا ينتظرون هذه القاعة لعرض لوحاتهم التي كانت مخبأة في منازلهم أو في أكواخهم في البادية___ وكما لو أن كل هذه القدرة الابداعية لمدينة الصويرة بقيت كامنة، وتنتظر هذا الأمل الخفي، الأمل في بروز فضاء يخصص لها لتستطيع ¬أخيرا¬ الخروج إلى واضحة النهار.
بعد سنة من ذلك أمكن إقامة معرض كبير ضم 60 فنانا من فناني الصويرة، عرضوا رسومهم ولوحاتهم الزيتية ومنحوتاتهم ومختلف ابداعاتهم التي تبهرك بتلقائيتها وألوانها، فنانون عصاميون لم يتلقوا أي تكوين في الفن التشكيلي، ولكنهم استطاعوا أن يجسدوا في أعمالهم هواجسهم وأحلامهم ومخزون تراثهم الثقافي الذي تحفل به مدينة الصويرة_ تراث عربي أمازيغي، يهودي، افريقي، فالمدينة بناها السلطان محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر وأسكن فيها قبائل وطوائف أتى بها من كافة مناطق المغرب، مسلمين ويهودا ونصارى إضافة إلى الجذور الافريقية التي أتت بها القوافل من الجنوب – عن طريق رواق فريدريك دامغارد وصلت لوحات فناني الصويرة محمد الطبال، علي ميمون، فاطمة الطالبي… إلى العديد من متاحف العالم وإلى العديد من المعارض والمهرجانات الثقافية الدولية. بعد ما يقرب من عشرين سنة، يتخلى دامغارد هذه السنة 2006 عن رواقه لأسباب صحية في غير قليل من الحسرة، وينتقل للاستقرار بتغازوتقرب أكادير، لكن الفنانين الذين تبناهم قد شقوا طريقهم إلى العالمية، ولم يعودوا بحاجة إليه، ثم إن الرواق سيستمر وإن بإدارة جديدة.

اهتمام دامغارد بالفن المغربي بالصويرة وبتاريخ المدينة ينقله إلى الاهتمام بكتابات مواطنه الدانماركي جورج هوست Georg Host الذي عاش في القرن الثامن عشر والذي كان سفيرا لبلده في المغرب أيام السلطان محمد بن عبد الله، وكتب سيرة حياة هذا السلطان الذي بنى مدينة الصويرة، فيعمل على ترجمة هذه السيرة سنة 1998 بمعية بيير غيلانو Gailhanou من اللغة الدانماركية إلى اللغة الفرنسية، ضمن السلسلة التي يشرف عليها المؤرخ المعروف جان¬ لوي مييج J.L.Miège  والتي تصدر عن دار لابورت La Porte بالرباط. والكتاب بعنوان” تاريخ السلطان سيدي محمد بن عبد الله” ثم يترجم كتابا آخر لنفس هذا السفير الدانماركي بعنوان “أخبار مملكتي مراكش وفاس“، تحدث فيه عن تاريخ المغرب وجغرافيته وسكانه وعن حكومته وبلاطه وعن الأمور العسكرية والقرصنة البحرية والديانة والعلوم والتجارة ولم يغفل حيواناته ونباتاته.  وبذلك يقول الاستاذ مييج أصبحنا نعرف عن هذا السلطان وعن المغرب معلومات كثيرة و غنية بفضل كتابات هذا السفير والتاجر جورج هوست، الذي عاش في المغرب ما بين سنتي 1750 و 1778، وطاف أرجاء البلاد وعرف كل الأوساط السياسية والاجتماعية، وبفضل معرفته للغة العربية فقد استطاع أن يلتقط كمّا كبيرا من المعلومات.

هكذا إذن أدى فرديريك دامغارد خدمة جليلة إلى الكتابة التاريخية حين نقل كتابات هذا السفير من لغة نادرة هي اللغة الدانماركية إلى اللغة الفرنسية وأصبحت بذلك في متناول الباحثين.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com