صوفيا، حفيدتي يا أمي..!!


ولأنها كانت الأغلى والأعز، أسرعت أمي خديجة خطواتها نحو الغياب، وبقيت وحدي. أكثر ما أتذكره عنها اليوم رحمها الله، رفضها الوقوف أمام الكاميرات. كانت تستعصي على الامتثال أمام عدسة المصورين وأضواء آلاتهم العجيبة، سواء في الفضاءات العامة من: أعراس، حدائق عمومية، مناسبات عائلية، حدائق عمومية ونافورات، كما في رحاب استوديوهات أحياء المدينة وطقوسها الغريبة.
كانت أمي أكثر خجلا من الخجل، تضعف أمام نفسها، وتتفادى الوقوف أمام الكاميرات. اكتسبت الخجل من بيئتها القروية، وتطبعت به مثل أغلب نساء القرية، وأصبح طبعها وطبيعتها في مناخ قروي صافي وأصيل، ثم انتقل معها إلى المدينة. كانت تمتنع عن الوقوف أمام الكاميرا، حتى لو تعلق الأمر بأخذ صورة بطاقة التعريف الوطنية. وفي كل مرة، أريد أن ألتقط لها صورة أو بورتريه بعدسة كاميراتي التي امتلكتها بعد خوضي غمار العمل الصحافي، وقبلها كنت قد اقتنيت واحدة من أجل ممارسة هواية التصوير المفضلة لدي بعد القراءة والكتابة.
كانت خديجة أمي تضعني أمام خيارين: إما الصورة أو رضاها، ولم أكن أجد خيارا أحسن من رضاها، فأنحاز طائعا إليه. ولذلك، أحتفظ بصورة تيمة لي معها، وهي بعدسة كاميراتي. هي مجرد ذكرى، ولكنها دنياي ومظلتي التي أحتمي بها، أرجع إليها كلما خلوت إلى نفسي في غربتي الداخلية، وهي الصورة الوحيدة لي برفقتها في ريبرتواري الفوتوغرافي.
أذكر أننا كنا معا في تلك الأمسية، نتجول في حي”حَمريّة” الإفرنجي بمكناس ذات انتشاء صيفي، وقد عدت من جولة صيفية إلى الشمال، وقد أدمنت على رمال البحر المتوسط.
كنا نتجول جنبا إلى جنب كما لو أننا أصدقاء، وهي حالة نادرا ما كانت تحدث لي معها. نخيط ما امتد أمام أقدامنا من انبساط الأزقة الخلفية مرتاحين. كنت لا زلت عازبا، وكان الحديث يتشعب بيننا، قبل أن يحط رحاله حول موضوع الزواج. كانت أمي رحمها الله محدثة لبقة، وفي نفس الوقت مصغية جيدة. وكنت من جهتي عازبا أنتشي في عزوبيتي، ومرتاح البال للإقامة فيها، أسرق النظرات من حين لآخر على اليمين وعلى الشمال وأنا بالجناح الإفرنجي قُبالة قصر البلدية في المدينة الجديدة.
كنت أبعدها كلما استطعت بشكل أو بآخر عن موضوع الزواج، فيما كانت هي تعيدني إليه، وتلح علي بالواضح والمرموز أن أتزوج وأبني أسرة، كي ترى أبنائي وبناتي مادامت على قيد الحياة. وكم كنت أتلعثم في إجاباتي، وكانت رحمها الله تتوقف للحظات، ثم تغوص في صمت خجلها وتعود إلي، كنت لا أعرف أنها تكتم عني سرا في نظرات عينيها. لم تكن تريد أن تنغص علي حلاوة جولتي معها، وتخبرني أنها لا تريد أن تستعجل الرحيل، قبل أن ترى أحفادها وحفيداتها. ولذلك، كانت تريد أن أكون فصيحا في إجاباتي، وكنت من جهتي أعمل على أن أبقى ديبلوماسيا إلى أبعد الحدود.
حين أتخيل النقاء، أتمثله في أمي. كثيرا ما كنت، وقد كبرت قليلا، أقول لها: “بعض النساء يتحايلن عليك يا أمي”. كان ردها دائما:
– “على أنفسهن يتحايلن”.
فيما بعد، عرفت أنني كنت خاطئا، وكانت هي الصادقة. ولذلك توقفت، وقد تأكد لي بعد نظرها، وقصر بصري وبصيرتي.
كانت الساحة المقابلة للبلدية حديثة التأهيل، لا تزال تتجمل نهارا للمتنزهين، وفي الليل تتزين بما تملك من أضواء لإرضاء عرسان الصيف الجدد. تنير كل المصابيح المعلقة فيها ليلا، وأخرى نابتة تزين نافوراتها المستحدثات. كانت ساحة جميلة تتباهى بخضرتها، تتميز بتنوع أزهارها ونوارها. ولكن من سوء حظ هذه الساحة، أنها لم تعد جميلة كما كانت، طالتها لعنة المهملين، ولحق بها الخراب والتخريب.
طال العمر بأمي خديجة قليلا، ورأت وديع وشهرزاد أولادي، ولكنها رحلت سريعا. لم يمهلها العمر، كي ترى صوفيا، وتفرح بالحفيدة كما الأولاد.
هناك على رصيف الفجر
كنت مع خديجة أمّي
ذات مساء شبابي شقي
يذكرني بعمر مضى
نرقب مروره معا
كسواد ظل الغيم
أتوشح بسمرة الرمل
وحمرة شمس الصيف
أجر ورائي بياض أحلام
وعزوبيّة رمادية اللون
أبسط أوراقها أمامي كاملة
كلما تأملت وجه أمي
وقد بدأت تعلوه..
ملامح الوداع.