اقتصاد السعادة في الدول العربية

اقتصاد السعادة في الدول العربية
الصورة عن : موقع موضوع

الكرم يولد الابتهاج…

                     د. صباح نعوش

يتمتع المواطنون في دول مجلس التعاون الخليجي بدرجة جيدة من السعادة. في حين تعاني الدول العربية الأخرى من تدني سعادة شعوبها حتى وصل بعضها إلى أعلى مستويات التعاسة في العالم. هنالك عوامل عديدة تفسر هذا التفاوت في مقدمتها العوامل الاقتصادية.

تنشر “شبكة حلول التنمية المستدامة” التابعة للأمم المتحدة تقريراً سنوياً يتناول درجات السعادة في مختلف بلدان العالم. وتعتمد تقاريرها اعتماداً كبيراً على منهجية الاستقصاء. أي تطرح أسئلة على عينة من الأفراد في كل بلد. ثم تقوم بتحليل الأجوبة لاستخلاص النتائج. فعلى سبيل المثال نجد في قائمتها السؤال التالي التي تنحصر الإجابة عليه بنعم أو لا. هل تبرعت بمبلغ من المال لجمعية خيرية في الشهر الماضي؟

مجموع إجابات العينة على هذا السؤال والأسئلة المماثلة يشير إلى مدى كرم الشعب. والكرم يولد الابتهاج. لذلك يتمخض عن إجابات العينة على جميع الأسئلة نقطة معينة. وهذه النقطة تحدد مستوى سعادة الشعب. عندئذ يتم ترتيب الدولة على الصعيد العالمي وفق النقطة التي حصلت عليها.

بموجب هذه المنهجية الدولة الأكثر سعادة في العالم هي التي تحصل على نقطة قريبة من عشرة. والدولة الأكثر تعاسة هي التي تحصل على نقطة قريبة من الصفر. وهكذا في 2025 نالت فنلندا المرتبة العالمية الأولى ب 7.73 نقطة. وهي تحافظ على هذه الصدارة منذ سبع سنوات. وحققت أفغانستان المرتبة الأخيرة ب 1.36 نقطة. وهي أيضاً واظبت على هذه الحالة منذ سبع سنوات. (يتناول التقرير 147 دولة).

أما البلدان العربية فقد تم ترتيبها على النحو التالي: الإمارات هي الدولة الأكثر سعادة في العالم العربي. احتلت المرتبة العالمية رقم 21. وحصلت على 6.72 نقطة. وتأتي الكويت بالمرتبة العربية الثانية والعالمية 30 ب 6.62. تليها السعودية بالمرتبة العربية الثالثة والعالمية 32 ب 6.60 نقطة. والبحرين بالمرتبة العالمية 59 ب 6.03 نقطة.

وتنخفض النقاط على التوالي في ليبيا والجزائر والعراق والمغرب وتونس وموريتانيا والأردن ومصر واليمن. وتصل إلى أدنى المستويات العربية في لبنان الذي يسجل المرتبة العالمية 145 ب 3.18 نقطة.

ترتبط السعادة بميادين عديدة تعليمية واقتصادية وأمنية وصحية ونفسية واجتماعية. أنها الهدف الأسمى لسياسات هذه الميادين. وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه المقالة هنالك أربعة عوامل اقتصادية تؤثر بشدة في مستوى السعادة: الدخل الفردي والكرم والفساد المالي والدعم الاجتماعي.

تسهم الإمكانات المالية للفرد مساهمة فاعلة في مدى سعادته. ويتضح من خلال ترتيب الدول مدى أهمية الدخل الفردي. ففي البلدان ذات الدخل المرتفع تزداد نقاط السعادة كما هو حال جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي. في حين ينخفض مستوى السعادة في البلدان ذات الدخل المتوسط كالعراق والجزائر والمغرب والأردن. ويزداد الانخفاض في الدول الأقل نمواً كالسودان واليمن.

يبلغ الدخل الفردي في الإمارات 76.6 ألف دولار. ثم ينخفض في البلدان العربية الأخرى حتى يصل إلى ثلاثة آلاف دولار في اليمن.

ولكن لا يجوز أن يقتصر التحليل الاقتصادي على الدخل الفردي. وإلا سنقع في عدة أخطاء: فعلى سبيل المثال الدخل الفردي في مصر 17.7 ألف دولار مقابل 9.7 ألف دولار في المغرب. في حين أن درجة سعادة المصري 3.81 نقطة ودرجة سعادة المغربي 4.62 نقطة.

وتصح هذه الملاحظة أيضاً على الدول الصناعية. الدخل الفردي في الولايات المتحدة 82.3 ألف دولار مقابل 61.9 ألف دولار في فنلندا. في حين تحتل الولايات المتحدة المرتبة العالمية 24 في السعادة. أما فنلندا فتستحوذ على المرتبة العالمية الأولى.

يدل هذا الوضع على عوامل اقتصادية أخرى تؤثر في نقاط السعادة. الكرم من بين هذه العوامل.

ذٌكر الكرم عدة مرات في القرآن الكريم. كقوله تعالى “وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم”.

من الناحية التاريخية الكرم صفة حميدة من الصفات الأساسية للعرب. يتباهون به لأنه يرفع شأنهم. يقول حاتم الطائي “

فلا الجود يفني المال قبل فنائه/ولا البخل في مال الشحيح يزيد”.

لكن غالبية البلدان العربية حالياً ابتعدت عن هذه القيمة. العراق يسجل المرتبة العالمية 90 في الكرم. ويهبط الترتيب في لبنان إلى 94 وفي الأردن إلى 116 وفي المغرب إلى 142. والسبب الأساس ضعف التبرعات المقررة للجمعيات الخيرية. إذ يكاد ينحصر الكرم العربي بمساعدة الأفراد الفقراء.

أما العامل الاقتصادي الثالث فهو الفساد المالي والإداري الذي يتناسب عكسياً مع السعادة. كلما استشرت الرشوة هبط مستوى الانشراح.

وضعت منظمة الشفافية الدولية البلدان العربية ضمن المناطق الأكثر فساداً في العالم. يبين تقريرها الأخير أن من بين عشر دول الأكثر فساداً في العالم خمس دول عربية وهي السودان وليبيا واليمن وسوريا والصومال.

والعامل الاقتصادي الرابع والأخير هو الدعم الاجتماعي الذي يتناسب طردياً مع السعادة. كلما زاد الدعم ارتفع مستوى السعادة. وينقسم الدعم الاجتماعي إلى قسمين: حكومي وفردي.

يرتبط الدعم الحكومي بالنفقات المخصصة في ميزانية الدولة لتعضيد أسعار السلع والخدمات كالمواد الغذائية الرئيسة والكهرباء والسكن. ويحتل هذا القسم مكانة مهمة في ميزانيات بلدان مجلس التعاون رغم هبوطه في السنوات الأخيرة نتيجة العجز المالي المزمن. في حين يتسم بالضعف في البلدان العربية الأخرى.

أما الدعم الفردي فيعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية ويرتبط بالدرجة الأولى بمدى اعتماد الفرد على أقربائه وأصدقائه لمعالجة أزمة مالية تعرض لها.

الدعم الفردي ضعيف في منطقة الخليج. الإمارات وهي الدولة العربية الأولى في السعادة تسجل المرتبة العالمية 92 من حيث الدعم الفردي.

ورغم التطورات الاجتماعية السلبية والخطيرة التي يشهدها العراق منذ الاحتلال الأمريكي لا تزال علاقات الفرد بأهله وأصدقائه وطيدة مقارنة بالدول العربية الأخرى بما فيها الخليجية. إذ يقع العراق في المرتبة العالمية 63 فيما يخص الدعم الفردي. مقابل المرتبة 87 في الكويت و103 في الأردن و130 في مصر و138 في المغرب.

نستنتج بأن العوامل الاقتصادية تلعب دوراً بارزاً في مستوى سعادة الدول العربية. الفرد سعيد لأن دخله مرتفع يغطي مختلف حاجاته. ولأن السياسة المالية لبلده تستجيب لتطلعاته. لذلك تسجل بلدان مجلس التعاون مستويات عالية من السعادة قياساً بالبلدان العربية الأخرى.

خلال الفترة بين 2014 و2024 ارتفعت درجة السعادة في جميع بلدان الخليج. وحدث تقدم طفيف في العراق. ويُفترض أن تحرز سوريا تحسناً تحت ظل نظامها الجديد. ولكن سجلت جميع الدول الأخرى تراجعا واضحاً خاصة لبنان والأردن. وسوف يستمر التطور على هذا المنوال على الأقل في السنة الجارية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *