الطاس في ذاكرة ’’واحد من أولاد الحي‘‘3/3

لازال عشق الطاس راسخا في ذاكرتي ساكنا في وجداني
ننشر الجزء الثالث للباحث نجيب تقي الذي يؤرخ لنشأة فريق الاتحاد البيضاوي لكرة القدم الذي عرف باسم “الطاس”. نترك للقراء والمتتبعين اكتشاف ما أخبرنا عن هذه المرحلة كمؤرخ لتجربة عشق لهذا الفريق المتميز . للتاريخ وللذكرى نسجل… “ألوان”
**********
بقلم: نجيب تقي
ما أزال أذكر فرحتي العارمة، عندما تأهل المنتخب الوطني المغربي لنهاية كأس العالم في المكسيك سنة 1970، وكان رائد القارة الإفريقية في هذا الصدد، وزاد من فرحتي وإحساسي بالانتماء للحي والافتخار به استدعاء الغزواني، ودوره في رسم تلك الصورة الجميلة له، كفريق إفريقي هاو في مواجهة المنتخب الألماني الملقب بلقب ’’الآلة الألمانية‘‘ بلاعبيه الكبار من أمثال ’’القيصر‘‘ بيكينباور، ومايير ، وفوخت ، وزيلير، وهالير ، وأوفيرات، وكرابوسكي، وليبودا ، ومولر. وفي قرارة نفسي، ظللت أعد هذا الجناح الأيسر لاعبا في الطاس، وإن صار يحمل قميص الجيش الملكي.
ما أزال أستذكر تلك الكرة الطويلة التي مررها من الزاوية اليمنى لمرمى الحارس مايير، إلى باموس، قبل انتهائها إلى حمان الذي أودعها في شباك الألمان. وما أزال أسترجع ما جرى في قناتنا الوحيدة آنذاك وقت استراحة اللاعبين، ونحن منتصرون، من نقاش بين المذيع الرياضي وضيوفه في الأستوديو، وخاصة العربي بن مبارك الذي عبر عن سعادته باسترجاع المغرب صورة من صور المجد الكروي التي حققها ’’الجوهرة السوداء‘‘ مع صفوة من زملائه المغاربة المحترفين في أوربا (عبد الرحمان بن المحجوب وحسن أقصبي و…). لم تكتمل تلك الفرحة في الشوط الثاني، لأن المنطق كان يفرض احترام موازين القوى وكان يلزم الخلوص إلى ما يقوله الفقهاء: لا قياس مع وجود فارق، وكما يقوله المثل الفرنسي:
.On ne peut pas comparer l’incomparable.
ظل الطاس يسكنني، أتتبع نشاطه وأستقصي أخباره، بعدما التحقت في بداية مشواري التعليمي بثانوية ابن عباد في سطات سنة 1975، حيث ربطت صداقات قوية مع مجموعة من الزملاء في هذه المؤسسة، منهم سي سعيد سلاك (رحمة الله عليه) مفتش مادة التربية البدنية ومدرب فريق النهضة السطاتية فرع كرة اليد، ومنهم العلوي لاعب النهضة السطاتية فرع كرة القدم والمنتخب الوطني. ومنهم مجموعة من تلاميذ سي سلاك الذين صاروا يترددون علينا في البيت الذي كان يجمعني به، أمثال بهلوي حارس الفريق السطاتي وعبد اللطيف جمال وآخرين غابت عني أسماؤهم. وبالطبع، لم تكن هذه العلاقة الجميلة بقادرة على محو حبي لفريق الطاس واستمرار تتبع أخباره عن بعد. وهنا، أستذكر قصة ما تزال عالقة بذاكرتي، بمناسبة قدوم هذا الفريق إلى سطات لإجراء مقابلة له مع فريق النهضة السطاتية في إطار البطولة الوطنية. زارني مجموعة من ’’أولاد الدرب‘‘ في بيتي في سطات، وتناولوا وجبة الغذاء في بيتي، قبل أن أصطحبهم إلى ملعب النهضة السطاتية. لا أخفي سعادتي بمناسبة زيارة هؤلاء الأصدقاء، وهي شعور مشوب ببعض الحرج نحو معارفي السطاتيين، ذلك أن مقامي في مدينة سطات واندماجي السريع في مجتمعها وخاصة في الشق الرياضي قد يكون ولد، على الرغم من قصره (ثلاث مواسم دراسية 1975-1976 و1976-1977 و1977-1978)، الاعتقاد عن خطإ لدى الكثيرين، بأنني صرت من ’’أولاد سيدي الغليمي‘‘ إلى الأبد، وحتى النخاع، إن لم أكن كذلك في الأصل والفصل، وأنني طمست هويتي ’’الكريانية‘‘ وغيرت جلدي إلى ما لا نهاية، والحال أن البصمة الأصلية لم تنمح قط. وبالعودة إلى هذه القصة، أذكر أنني جلست في أحد المدرجات محاطا بزواري من الحي، ولا أعتقد أنهم انتبهوا إلى حالة الحرج التي كنت عليها، بدليل ما كانوا يرددونه من شعارات التشجيع لفريقهم المحبوب. وفي المقابل، أثارني شعار نشاز لا يسمع في مثل هذه المناسبات الكروية، كان ينبعث من بعض مشجعي النهضة السطاتية، ممن كانوا يجلسون خلفنا، وهو ’’واروح أبابا البراني عگوبتو لبلادو‘‘ اللازمة المشهورة التي كانت تتكرر في إحدى الأغاني الشعبية الذائعة الصيت آنذاك، فاستوعبت أن ’’الميساج‘‘ – والذي يعني أن ’’البراني‘‘ أو الأجنبي على مجتمع من المجتمعات محكوم عليه بالعودة في النهاية إلى أصله، كان موجها إلى شخصي بالذات، خاصة لما استدرت فانتبهت إلى وجوه عدد من معارفي، وخاصة منهم تلامذتي السابقين.
ما أزال أستذكر، وبنوع من الأسى والحسرة، قصة أخرى. فقد طلب مني والدي رحمه الله أن أصاحبه في سفره إلى ’’العروبية‘‘ في يوم من أيام الأحد، في إطار تردده على مسقط رأسه في دكالة. لكن انغماسي في هوى الفريق ولهفتي إلى مشاهدة لاعبيه، أمثال مازي والمهدي وقاسمي وأحمد الغزواني ’’لغزيويني‘‘ والصفوي ونومير وعبد الرحيم وكريمو ودفاع رحمه الله…، في مقابلة لهم أمام مولودية وجدة في ملعب الأب جيكو، جعلني أرهن السفر بالحضور إلى الملعب على الساعة الثالثة بعد الزوال. قبل والدي، فرافقته على سيارته إلى الدوار، وكانت زيارة عمل قصيرة جدا، تحقق الهدف منها، فعدنا إلى الدار البيضاء بسرعة. وبالفعل، حضرت المقابلة، وتمنيت في قرارة نفسي ألا أحضرها وألا أضع والدي في ذاك الوضع، فقد اندحر فريقي أمام المولودية بلاعبيها الكبار الفيلالي وسميري وبلحيوان وخاصة مغفور الذي صال وجال في شباك مازي، فكانت هزيمة قاسية (3-1).
ظللت أمني النفس طويلا بحصول فريقي على لقب من الألقاب الرسمية، خاصة كأس العرش أو البطولة. ولاحت، في الأفق، تباشير هذه الأمنية، وذلك خلال الموسم الرياضي 1977-1978، عندما تمكن العربي الزاولي من بناء فريق من الشباب، حقق انتصارات كبيرة جدا، فانتهى في الصف الأول عند نهاية هذا الموسم، وكان عليه أن يكتفي بالتعادل أمام الجيش الملكي في الملعب الشرفي، وهو الفريق الذي كان محكوما عليه بالنزول إلى القسم الثاني في حالة عدم الانتصار. لكن الحلم تبخر، فقد انهزم الطاس، فقررت قطع صلتي به، بل وهجرت الملاعب المغربية إلى الأبد، دون أن يصل بي الأمر إلى حال ذاك الزبون الروسي الذي حول حلاقه الياباني رأسه إلى خريطة، رسم عليها المعارك العسكرية التي انتصرت فيها قوات بلاده على جيوش القيصر نيكولا الثاني في حرب 1905. وهو ما أغضب الزبون الذي لمح في المرآة البرقعات على رأسه، فقام غاضبا من مكانه، ’’يلعن الروس واليابانيين والسياسة والسياسيين والناس أجمعين‘‘.
صرت أتتبع أخبار الفريق عن بعد، فزادت من ألمني وحسرتي، وخاصة لما بلغني ما بلغ من المشاكل الكثيرة والمتنوعة التي صار يتخبط فيها طيلة عقود من الزمن، والصراعات السياسية والحسابات الشخصية التي قادت إلى تقهقره وتلاشيه. ولا أخفي أنني كنت أتضايق، والحق لله، كلما سمعت بأن فرقا أخرى، وخاصة الوداد والرجاء، صارت تحتل قلوب الكثيرين من أطفال الحي ومراهقيه وشبانه، وكيف تحول منبت اللاعبين إلى مورد لهم من فرق أخرى بل ومدن ودول أخرى. ثم شعرت بانبعاث ذاك الحب والعشق لهذا الفريق من جديد، عندما تمكن من الفوز بكأس العرش، وهو اللقب الذي ناضلت جماهيره من أجل الفرح به طوال عقود من الزمان. وانعقد الأمل، بعد ذلك، من أجل عودة الفريق إلى سالف عهده، لكنني أقر بضعفه، فتراكم المشاكل طوال السنين بل والعقود ما يزال قويا، ومحاولة استرجاع مجده من خلال حضور عبد الرحمان اليوسفي أحد رموزه ومؤسسيه أو إحضاره في بعض المناسبات لا تكفي، كما لا يكفي أن يوفر له ملعب مناسب في حجم مركب العربي الزاولي، بل يلزم أن تتوفر شروط أخرى كذلك ترتبط بطريقة تسييره و…
وجاءت مناسبة إصدار كتابي عن ذاكرة كريان سنطرال – الحي المحمدي في القرن العشرين، لتوقظ في نفسي ذاك العشق الدفين لفريق الطاس. وكان علي، هذه المرة، ألا أتحدث عنه من زاوية ذاكرة ’’ولد الحي‘‘ فقط، بل وكذلك من زاوية المؤرخ الذي يسعى إلى ترك مسافة نقدية بينه وبين الموضوع الذي يتناوله والحذر من ’’المسالك الوعرة للذاكرة‘‘، كما سماها صديقي المصطفى بوعزيز أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق في تقديمه للكتاب. فقد حاولت، قدر المستطاع، أن أكتب تاريخ الفريق بعيدا عن سلطة الذاكرة، من خلال دراسة نشأته في أحضان العصبة الحرة لكرة القدم (حزب الاستقلال) بحي كريان سنطرال، ثم الإستراتيجية التي دبرت بها السلطات الفرنسية إدارته بحشره في عصبة المغرب لكرة القدم (الفيدرالية الفرنسية لكرة القدم)، حتى تستعمله في استقطاب السكان ومواجهة المقاومة المسلحة. وسمح لي الاطلاع على الأرشيفات الدبلوماسية في مدينة نانت الفرنسية بتسليط المزيد من الأضواء على هذا الجانب الغميس من الموضوع، أثناء الندوة التي نظمتها أكاديمية المملكة المغربية والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في فضاء الذاكرة التاريخية بالحي المحمدي في 16 و17 نوفمبر 2018، تحت عنوان: واقع المقاومات وحركة التحرير المغربية بين الذاكرة والتاريخ. وكانت مداخلتي تحت عنوان: كرة القدم في المعركة الوطنية بالدار البيضاء بين الذاكرة والتاريخ: الاتحاد البيضاوي نموذجا، وهي المداخلة التي تم نشرها مؤخرا من طرف المؤسستين المذكورتين تحت العنوان نفسه.
ما يزال عشق الطاس راسخا في ذاكرتي ساكنا في وجداني، وما أزال أمني النفس أن يتمكن هذا الفريق في تاريخ قريب من استعادة عافيته واسترجاع جمهوره، لأنه أحد أعمدة ’’هويتي‘‘ كواحد من ’’أولاد الحي‘‘. وهو حلم جميل ما يزال كثير من أصدقائي وأقاربي وأقراني يشاطرونني فيه، ولا نعلم إن كان يتحقق في يوم ما أم لا.