قصة قصيرة: حكاية زهرة

قصة قصيرة: حكاية زهرة

 شكراً يا أمي !

بقلم: ذ.محمد ياسين خليل القطعاني

اصطحبت الأم ابنتها زهرة من أمام مدرستها الابتدائية في نهاية اليوم المدرسي عائدةً بها إلى المنزل .

لاحظت الأم أنّ ابنتها مُتجهمة الوجه ، ويبدو عليها الحزن مع أنّ هذا اليوم هو آخر أيام الأسبوع وعادةً تكون زهرة مبتهجةً ؛ لأنّ لديها يومين عطلة ، ولن تعود إلى الدراسة إلا مع بدايةِ الأسبوع القادم .

في هذه العطلة تلتقي صويحباتها وجاراتها؛ فيقضين معاً أوقاتاً كلها مرح ولهو، فهي غير مُثقلة بأية واجبات منزلية .

تناولت زهرة وجبةَ الغداء مع أمها وأبيها وإخوتها، لكنها جالسة على مائدة الطعام صامتة ، ولا تتحدث كعادتها مع أفراد أسرتها بلطفها المعهود، ومزاحها الدائم .

انتهى أفراد الأسرة من تناول الطعام ، أسرعتْ زهرة إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، بعد هُنيهات توجهت الأم صوبَ غرفة ابنتها ، طرقت الباب ، ثم دلفتْ، رأتْ زهرة جالسة على مقعد مكتبها، وتضع جبينها على باطن كف يدها ، وتميل برأسها عليه في سكينة وهدوء وتفكير .

لم تسمع زهرة طرقات أمها على الباب، ولم تشعر بوجودها في غرفتها إلا بعد أنْ لمستْ كتفها بإصبعها السبابة، تنظر إليها زهرة متعجبة وتسأل نفسها :

ـ كيف دخلتْ أمي غرفتي ، ولم أشعر بها؟

خاطبتها أمها :

ـ ما بك يا زهرة ؟ ماذا حدث يا حبيبتي ؟

سالتْ دموع زهرة، هرولت إلى أمها مُحتضنةً إياها ، فربّتتْ أمها على كتفها ، أخذتها من يدها، وجلسا على طرف مخدعها ، وهدأت من روعها ، وأردفت :

ـ أخبريني يا صغيرتي، ماذا بك ؟

أجابتها زهرة بحسرةٍ وتوجعٍ :

ـ يا أمي ، طالبات فصلي سَخِرن مني اليوم في حصة التربية الإسلامية ؛ لأنّ المعلمة اصطحبتنا إلى المسجد؛ لتختبرنا في سنن الوضوء ، وللأسف فأنا لا أحسن أعمال الوضوء يا أمي .

أمها مسحتْ على رأسها ، واحتضنتها ، وقالتْ بثقة :

ـ لا تحزني يا صغيرتي، فأنت لم تبلغي السنوات السبع حتى الآن ، وأنا كنت أنتظر بلوغك هذه السن ؛ لأعلمك أمور دينك ، ولكن لا

بأس، ودغدغتْ شفتيها بسبابتها؛ لتنتزع منها ابتسامتها الرائقة كما تعودت ، وأضافتْ :

ـ على كل حال سوف أعلمك الوضوء والصلاة أيضاً خلال يومي العطلة ، وستكونين في الحصة القادمة ماهرة، وكل زميلاتك يَندهشنَ من إجادتك الوضوء، بل وأكثر من ذلك إنْ شاء الله .

الأم وزهرة توجها إلى دورة المياه ، قالت الأم :

ـ انظري إليّ وأنا أتوضأ، وافعلي مثلي تماماً ، وسوف نتوضأ معاً لكل صلاة في غضون هذين اليومين ، وإنْ شاء الله ستكونين في الحصة القادمة أفضل الطالبات .

واظبتْ زهرة على الوضوء في الأوقاتِ الخمسة، واختبرتْها أمُّها أكثرَ من مرة حتى تتأكدَ من استيعابها كلّ أركانِ الوضوء ، أثنتْ أمُها عليها، وقالت مُبتهجة :

ـ ما شاء الله ، أنتِ الآن تُجيدين الوضوء كأحسن ما يكون .

انتهتْ عطلة اليومين ، وعادتْ زهرة إلى مدرستها ، وها هي مُعلمة التربية الإسلامية تصطحبهن إلى المسجدِ للتدريب على أداءِ أركان الوضوء .

زهرة رابطةُ الجأش، لا تظهر عليها علاماتُ الجزع ، شاهدتْ بعض زميلاتها يتحدثن في آذان بعضهن بكلمات ، ثم

ينظرنَ إليها ، زهرة أدْرَكَتْ من نظراتهنّ أنهنّ يتوقعنَ إخفاقها في الوضوء كالحصة السابقة .

بدأت المعلمة بالنداء على الطالبات طالبةً إليهن أداءَ الوضوء ، وجعلتْ زهرة آخر طالبة؛ لأنها توقعتْ أنْ تُخفقَ كما حدث في حصة الأسبوع الفائت، أغلب الطالبات وقعنَ في أخطاء إما إسباغاً ، وإما ترتيباً، وإما إشعاراً بأهمية هذه الشعيرة التي تسبق الصلاة .

أبْدَت المعلمة عدم رضاها عن أداء طالباتها ، وحثتْ إياهن على التدريب في البيت على الوضوء الصحيح ، بعدم اكتراث نادتْ على زهرة؛ لتقوم بأعمال الوضوء؛ كي تمنحها الدرجة كما فعلتْ مع زميلاتها ، الطالبات ينظرنَ إلى زهرة ، ويتضاحكنَ في سُخرية، فهي سوف تفشلُ كما فشلتْ في الحصة السابقة .

تقدمتْ زهرة بخطواتٍ ثابتة نحوَ صُنبور الماء رافعةً صوتها بدعاء ما قبل الوضوء، الدعاء لفتْ انتباه المعلمة والطالبات ، ثم بدأت الوضوء في ترتيب وإسباغ ودقة وهدوء ، وختمتْ بالدعاء المأثور، ثم التفتتْ إلى زميلاتها وخاطبتهن بصوتٍ جهوري :

ـ احرصنَ أخواتي على ترشيد استهلاك الماء حتى لوكنّا في عبادة .

المعلمة وقفتْ منبهرة مما تُشاهد وتسمع ، والطالبات ينظرن في اندهاش وتعجب ، فهل هذه هي زهرة التي لم تكن تعرف عن

الوضوء شيئاً البتة ؟!، ها هي تُبدع في الوضوء ، وزادتْ أدعية ما قبل الوضوء، وما بعده .

زميلاتها تملكتهنّ الدهشة عندما سمعنها تقول قبلَ الوضوء بصوتٍ مسموع :

ـ بسم الله ، وقالتْ بعد أنْ فرغتْ : أشهدُ أنّ لا إله إلا الله ، وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين .

وقفت المعلمة وسطَ طالباتها خارجَ المسجدِ، وقالتْ بصوتٍ عالٍ :

ـ لنصفق لزهرة ؛ لأنها أجادتْ، وأحسنتْ ، وأبدعتْ، وتستحق الدرجة كاملة ، وارتفع صوتُ التصفيق ، أمّا زهرة فالسعادة بادية على وجهها، وصورة أمها حاضرة أمام عينيها ، وهمهمتْ بصوتٍ خفيض لم يسمعْه أحدٌ :

ـ شكراً يا أمي !

القاص : محمد ياسين خليل القطعاني (مصر/الكويت)

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com