نص الذات / نص الذاكرة

طبقات المحكي في السيرة الذاتية
” نكاية في الألم ” لاسمهان عمور

دائما تخوننا العبارة حين نريد الحديث عن الألم (ألمنا – ألم الآخرين ) لأن الألم كما تقول هيلين سيكسوس في كتابها ” ضحكة ميدوزا ” ليس موضوعا ، بل [ اختبار حياة ]
1 – الاختبار بالمعنى الملحمي / التراجيدي ، كما يوضح ذلك رونيه جيرار في الفصل الخاص عن رمزية القربان من كتابه ” العنف و المقدس ”
2 – و هو يتحدث عن اقتران الألم بالتضحية .
في الكثير من الكتابات حول أشكال السيرة الذاتية يقع التباس بخصوص استعمال كلمة [ يوميات ] ، و نحن نتحدث عن [ المذكرات ] وهما مختلفان كأجناس أدبية تعبيرية على مستوى تزامنية أو سانكرونية فعل السرد مع الذاكرة .
كتاب اسمهان عمور ” نكاية في الألم ”
3 – ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية و صياغته الأدبية تعتمدالبناء المعماري الذي يقوم على الالتحام المتمفصل بين [ نص الذات ] و [ نص الذاكرة ]،
و تعتمد البناء الأسلوبي الذي يزاوج بين تكنيك السرد الاستبطاني وتكنيك السرد التسجيلي .
مدارات الحكي في هذا التأليف تجعل نص الذات يترحل في الأزمنة المتعددة لأمكنة الذاكرة ، فالزمن في هذه السيرة متعدد البوصلات ، حيث باستمرار ينعكس ظل الماضي على الحاضر وكما ينعكس ظل الحاضر على الماضي . الذاكرة هي محبرة السيرة و مدادها . تغمس اسمهان عمور [ الأنا ]في مراجع – مواجع الذاكرة لتنسج هوية ذاتية يصير فيها الأنا الفردي شهادة و تأريخا يصون من المحو و الاندثار التفاصيل الجوهرية لحياة الإعلام المغربي متمثلة في ( الذاكرة الصوتية السحرية ) التي ارتبطت بالمذياع – الراديو ، تلك الذاكرة التي هي الطفلة و الأم و الجدة الحاضنة لولادة الفضاء السمعي البصري ، ذاكرة العتبات الرمزية التي رسمت الطرق و بوصلت الارتيادات في مغامرة التشكل و التأسيس و البناء .
يذكرنا هذا على وجه الشبه بالسيرتين ” الرحيل ” و الألم ” للعربي باطما
4 – فهما أيضا سيرتا ذات يتسع فيها الفضاء الرمزي للأنا ليصير شهادة و تاريخا حول مرحلة بالغة الأهمية من تاريخ الفن الغنائي المغربي و ناريخ المجموعات الغنائية و تطور الموسيقى و التلحين من خلال الرجوع إلى الثقافة و الذاكرة الشعبية و ربط الأواصر بين الانشاد الملحوني و الإنشاد الزجلي .
في الأدب العالمي رسمت الكتابة الألم بما هو [ استعارة كونية للفقدان ]. لا يكون الألم إلا حين يكون فقد و افتقاد و بدائله الرمزية : الرحيل و الحنين ، الغياب و الفراغ ، النقص و عدم الاكتمال ، المحو و التشظي و الاندثار . هذا الفقدان هو ما سأصفه بلغتي الشخصية [ المكان الفارغ من المعنى ] .
في نكاية بالألم تتعدد صور المكان الفارغ من المعنى :
أ – الحياة التي تختزل في الرثاء وشواهد القبور.
ب – الجسد الذي يحملنا و قد صرنا غير قادرين على حمله .
ج – الزمن الذي لا يلتفت موجها سهمه نحو الجهات الأربع للنسيان .
د – الواقع الذي يشحب في مرايا التحولالميتامورفوزي منتزعا من الوجود ما هو جوهري و إنساني ليحل محله الشك و الارتياب و الوهم و الابتذال .
ه – الأحلام : حلم امرأة اسمها اسمهان أرادت أن تسكن أبجدية الحياة و أبجدية الإعلام في بلاغة الصوت و قامت بترحيل زنقة البريهي إلى حنجرتها لكي لا تتوقف شهرازاد عن الكلام .
نكاية في كل هذا الفقدان و في كل هذه الأمكنة التي هجرها المعنى تأتي هذه السيرة لترمم أعطاب الذاكرة ، ليس فقط الذاكرة الفردية ، لأن اسمهان عمور [ صوت بصيغة الجمع ] ، لذلك فهو ترميم للمشهد الثقافي و الإعلامي المغربي . صوتها ترجمان جميع الأصوات التي أثتت فسيفساء الحضور الوقاد ، البهيج و المضيء لعالم الإذاعة و التلفزيون و الصحافة ، و عالم التمثيل و المسرح و الغناء و السينما ، و عالم الفكر و الأدب و الفلسفة ، عالم كل هؤلاء الشخوص و الحيوات و الرموز و الذاكراتا الحاضرة أسماءهم العديدة في طي سيرتها دون نسيان من ضاق الحيز عن ذكرهم .
في هذه السيرة لا يجوز اخنزال الألم في خذلان الجسد . البطل الأسطوري ( إشيل ) الذي صرع أبطال طروادة صرعه سهم طائش في [ كعبه الهش ] / اسمهان عمور توأم رمزي لإشيل ، بطلة أسطورية ب [ كعب هش ] ، لكنها أشبه بالماس لا يزيدها الجرح إلا لمعانا .
لم تكن اسمهان عمور تهاب وعثاء الطريق . كانت تملك من طاقة الإقدام فوق ما يتحمله القدم الهش .تلقي بذاتها في العمل مثل نيزك آهل بالاحتراق المضيء . لقد قيض لي أن أكون حاضرا في العديد من مواعيدها ضيفا مشاركا . و في حضورها لا مكان لسيادة [ نظام التفاهة ] كما هو الآن . كان يسود الحضور المعرفي و القضايا الكبرى و الأحلام و المشاريع الثقافية و الفنية . كان منطق السؤال يشتغل ضد كسل المعرفة الجاهزة و الأجوبة النمطية . كانت مهندسة في إدارة الوقت بإحكام بليغ و لم يحدث أن كانت برامجها فضاء للملاسنات السخيفة أو الثرثرة الطفيلية أو الهجاء و تصفية الحسابات .
أقوى تمثلات المكان الفارغ من المعنى في هذه السيرة و الذي يتواتر تكراره في طبقات الحكي سنستعير الحديث عنه من خلال رثائية أبي البقاء الرندي ( لكل شيء إذا ما تم نقصان ) الألم العربي يتكرر دائما : نشيد أندلسا لنهدمه أو نستعير مجاز نظرية العمران عند ابن خلدون : نبني هرما ثم نقلب الهرم فتنقلب المفاهيم . هذا المعنى عميق في هذه السيرة لأن كل عملها هو عملية صون للذاكرة الإعلامية لحياتها كمذيعة و لحياة الإذاعة بشكل عام . كتابة لمقاومة المحو و النسيان .
الفصول التي تخصها الكاتبة لمشاهد أفول و رحيل رموز الإذاعة الوطنية و التلفزيون و غيرهم في ميادين شتى ، ثم صوتها الحزين و هي ترثي غياب الجهوذ اللوجستيكية لصون أرشيفات الراديو و التلفزيون ، ثم نبرة السخرية في صوتها و هي تنتقد العبورالإعلامي نحو الرقمي و ما صاحبه من تبخيس للمواطن و و عزلته و شعوره باليتم جراء افتقاد الثراء الرمزي للعلاقات الإنسانية و إبدالها بخطاب الإشاعة و التغريض و التزييف و الالتباس.. كل هذه أمكنة فارغة من المعنى . المكان الدال على ولادة أساطير ثم اندثارها كما يصف ذلك رولان بارت في كتابة ” نظام الموضة ” .
5 – نص الذات في هذه السيرة محيط لا نهائي من رجع الذاكرة و الحاضر و فصول الكتاب موجات هذا المحيط . تنكسر الموجة على صخرة الواقع المتحول و المتبدد لكن لا تموت . فقط تعود إلى رحم المعنى الأول ، المعنى الأصل ، المعنى الذي لا يشيخ ، المعنى اللايفتقد ، المعنى الذي يؤسس بدائل أمكنته فيما و راء المحو و النسيان .