سيغمند فرويد ترجمة لحسن أحمامة

الكتاب المبدعون وحلم اليقظة 2/1
ترجمة: لحسن أحمامة
دائما كنا نحن العامة فضوليين بحدة لمعرفة- مثل الكاردينال الذي طرح نفسه السؤال على أريوسطو[1]–
من أي المصادر يستقي هذا الكائن الغريب، الكاتب المبدع، مادته، وكيف يتمكن بها من إحداث انطباع فينا ويثير فينا انفعالات ربما لم نكن نعتقد أننا قادرون عليها. وتزداد مصلحتنا فقط من خلال حقيقة أن الكاتب نفسه، إذا سألناه، لا يقدم لنا أي شرح، أو أي توضيح مرض؛ ولا تضعف معرفتنا على الإطلاق بأنه لا حتى أوضح التبصر لمحددات اختياره للمادة ولطبيعة فن الخيال الإبداعي للشكل سيساعد على جعلنا كتابا مبدعين.
لو كان بوسعنا على الأقل أن نكتشف في أنفسنا أو في الناس مثلنا نشاطا أقرب بطريقة ما إلى الكتابة الإبداعية! إن فحصا لهذا الأمر قد يمنحنا إذا أملا في الحصول على بدايات لشرح عمل الكُتاب الإبداعي. ثمة، بالفعل، أفق لإمكانية ذلك. ومع ذلك، فالكتاب أنفسهم يحبون تقليص المسافة بين نوعهم وبين البشرية؛ فهم في الغالب جدا يؤكدون لنا أن كل إنسان إنما هو شاعر في العمق وأن آخر الشعراء لن يفنى إلى أن يفنى آخر إنسان.
ألا ينبغي لنا أن نبحث عن الآثار الأولى للنشاط الخيالي منذ الطفولة؟ إن الانشغال الأحب والأشد للطفل هو مع لهوه أو ألعابه. ألا يمكن أن نقول إن كل طفل عند اللعب يتصرف مثل كاتب مبدع، من حيث أنه يخلق عالمه الخاص، أو على الأصح، يعيد ترتيب أشياء عالمه بطريقة جديدة تروق له؟ قد يكون من المجانب للصواب الاعتقاد بأنه لا يأخذ العالم مأخذ الجد؛ بالعكس، إنه أكثر جدية في لعبه ويستهلك مقدارا كبيرا من مشاعره في اللعب. ليس المقابل للعب هو ما هو جاد وإنما ما هو واقعي. ورغم كل المشاعر التي بها يركز الطفل تفكيره على عالم لعبه، فإنه يميزه جيدا عن الواقع؛ يحب أن يربط موضوعاته ووضعياته المتخيلة بأشياء العالم الواقعي المحسوسة والمرئية. هذا الربط هو كل ما يميز ‘لعب’ الطفل عن ‘التوهم’.
يقوم الكاتب المبدع بنفس الشيء كما الطفل عند اللعب. إنه يخلق عالم التوهم الذي يأخذه مأخذ الجد- أي العالم الذي يستثمر فيه مقدارا كبيرا من المشاعر- في الوقت الذي يفصل فيه بشكل حاد هذا العالم عن الواقع. واللغة قد احتفظت بهذه العلاقة بين لعب الأطفال و الإبداع الشعري. بحيث تمنح [باللغة الألمانية] اسم ‘Spiel‘ [ ‘اللعب’] إلى تلك الأشكال من الكتابة التخيلية التي تتطلب أن تكون مرتبطة بالموضوعات المادية و تكون قادرة على التمثيل. فهي تتكلم عن ‘Lustspiel‘ أو ‘Trauerspiel‘ [‘الكوميديا’ أو ‘التراجيديا’ : يعني حرفيا ‘ مسرح المتعة’ أو ‘مسرح الحزن’] و تصف أولئك الذين يقومون بالتمثيل بوصفهم ‘Schauspieler‘ [ ‘الممثلون’: حرفيا ‘ممثلو العرض’]. على أن للاَ واقعية العالم الخيالي للكاتب نتائج هامة بالنسبة لتقنية فنه؛ ذلك أن العديد من الأشياء التي يمكنها، لو كانت حقيقية، ألا تمنح أي إمتاع، بوسعها القيام بذلك في لعبة التوهم، و أن العديد من الانفعالات، التي، في ذاتها، تكون في الواقع محزنة، تصبح مصدر المتعة بالنسبة للمستمعين و المشاهدين عند إنجاز عمل الكاتب.
ثمة اعتبار آخر من أجله سنتعمق أكثر في هذا التعارض بين الواقع واللعب. عندما يكبر الطفل ويتوقف عن اللعب، وبعد أن يكافح للعقود لتصور حقائق الحياة بجدية مناسبة، قد يجد نفسه يوما ما في حالة ذهنية تؤدي مرة أخرى إلى إلغاء التناقض بين اللعب والواقع. بإمكانه كشخص بالغ أن يتذكر الجدية الشديدة التي أنجز فيها من قبل ألعابه الطفولية؛ ومن خلال مساواة انشغالاته الجادة ظاهريا بألعاب طفولته، بوسعه التخلص من العبء الثقيل الذي تفرضه عليه الحياة ويفوز بالعائد العالي من المتعة التي توفرها الفكاهة[2]
إذن، في الوقت الذي يشب فيه الناس عن الطوق، يتوقفون عن اللعب، ويبدون أنهم قد انقطعوا عن العائد من المتعة التي كسبوها من اللعب. لكن من يفهم الذهن البشري يعرف أنه لا يكاد يوجد شيء أصعب على الإنسان من التخلي عن متعة اختبره ذات مرة. في الواقع لا يمكننا التخلي عن أي شيء؛ نحن فقط نتبادل شيئا بآخر. وما يبدو أنه تنازل إنما هو في الحقيقة تشكيل بديل أو بديل. بنفس الطريقة، فالطفل الذي ينمو، عندما يتوقف عن اللعب، لا يتخلى عن أي شيء سوى الروابط بأشياء حقيقية. إذ بدلا من أن يلعب، فإنه الآن يتوهم. يشيد قلاعا في الهواء ويخلق ما يسمى أحلام يقظة. أعتقد أن جل الناس يصنعون أوهاما في بعض الأحيان في حيواتهم. هذه حقيقة تم التغاضي عنها منذ فترة طويلة ومن ثمة لم يتم تقدير أهميتها بما يكفي.
إن أوهام الناس أقل سهولة في الملاحظة من لعب الأطفال. صحيح أن الطفل يلعب بمفرده أو يشكل نظاما نفسيا مغلقا مع أطفال آخرين لأغراض لعبة ما؛ لكن بالرغم من أنه قد يلعب لعبته أمام الكبار، إلا أنه، من ناحية أخرى، لا يخفيها عنهم. أما الراشد، على العكس من ذلك، فيخجل من أوهامه ويخفيها عن الآخرين. فهو يعتز بأوهامه بوصفها أكثر ممتلكاته حميمية، وكقاعدة، يفضل الاعتراف بآثامه على إخبار أي شخص بأوهامه. قد يحدث أنه لهذا السبب يعتقد أنه الشخص الوحيد الذي يخترع مثل هذه الأوهام ولا تنتابه أي فكرة عن انتشار الإبداعات من هذا النوع بين الآخرين. هذا الاختلاف في سلوك شخص يلعب وشخص يتوهم تفسره دوافع هذين النشاطين، اللذين هما مع ذلك مرتبطين الواحد بالآخر.
يتحدد لعب الطفل من خلال رغباته: في حقيقة الأمر برغبة واحدة- واحدة تساعده في تربيته- الرغبة في أن يكون كبيرا وراشدا. دائما يلعب بأنه “ناضج”، وفي ألعابه يحاكي ما يعرفه عن حيوات كبار السن، وليس لديه سبب لإخفاء رغباته. أما مع الراشد، فالأمر مختلف. فهو، من جهة، يعرف أن من المتوقع منه ألا يستمر في اللعب أو التوهم بعد الآن، بل أن يعمل في العالم الحقيقي؛ ومن جهة ثانية، فإن بعض الرغبات التي تتسبب في أوهامه إنما هي من النوع الذي يلزم إخفاءه أساسا. هكذا، يخجل من أوهامه بوصفها صبيانية وغير مسموح بها.
لكن، ستسألون، إذا كان الناس يختلقون مثل هذا اللغز في توهمهم، كيف نعرف الكثير عنه؟ حسنا. ثمة طبقة من البشر خصصت لهم، ليس إله، بل آلهة صارمة- الضرورة– مهمة إخبارهم بما يعانون وما الأشياء التي تمنحهم السعادة.[3] إن هؤلاء ضحايا مرض عصبي، الذين يضطرون إلى إخبار الطبيب بأوهامهم، من بين أشياء أخرى، و يتوقعون منه الشفاء عن طريق علاج نفسي. هذا هو أحسن مصدر للمعرفة، وقد وجدنا منذ ذلك الحين سببا وجيها لافتراض بأن مرضانا لا يخبرون بأي شيء قد لا نسمعه من الأصحاء.
دعونا الآن نستأنس ببعض خصائص التوهم. قد نقرر بأن شخصا سعيدا لا يتوهم البتة، بل فقط شخص غير راض. إن القوى الدافعة للأوهام هي رغبات غير مشبعة، و كل وهم هو تحقيق لرغبة، و تصحيح للواقع غير المُرضي. هذه الرغبات المحفزة تختلف بحسب جنس، وشخصية و ظروف الشخص الذي يمارس الوهم؛ لكنها تقع بطبيعة الحال في مجموعتين رئيسيتين. فهي إما رغبات طموحة، تعمل على رفع مستوى شخصية الذات، أو رغبات إيروتيكية. عند الشابات تسود الرغبات الإيروتيكية على نحو شبه حصري، ذلك أن طموحهن كقاعدة تستوعبه اتجاهات إيروتيكية. أما عند الشباب فالرغبات الأنانية والطموحة تأتي في الصدارة بوضوح كاف جنبا إلى جنب مع الرغبات الإيروتيكية. لكن لن نشدد على التعارض بين الاتجاهين؛ نفضل أن نؤكد على حقيقة أنهما غالبا ما يكونان متحدين. وكما هو الحال في العديد من النقوش خلف المذبح و فوقه، يمكن رؤية صورة الواهب في زاوية من الصورة، كذلك في غالبية الأوهام الطموحة، يمكننا أن نكتشف في زاوية أو أخرى السيدة التي من أجلها يقوم خالق الوهم بجميع أعماله البطولية و التي توضع تحت أقدامه جميع انتصاراته. هنا، كما ترون، ثمة دوافع قوية بشكل كاف من أجل الإخفاء؛ فالشابة الجيدة النشأة لا يخول لها سوى حد أدنى من الرغبة الإيروتيكية، و على الشاب أن يتعلم إلغاء فائض احترام الذات الذي جلبه معه منذ أيام طفولته الفاسدة، كيما يجد مكانته في مجتمع مليء بأفراد آخرين لهم نفس المطالب القوية.
علينا ألا نفترض أن إنتاجات هذا النشاط الخيالي- الأوهام المتنوعة، والقلاع في الهواء وأحلام اليقظة- منمطة أو راسخة. على العكس، إنها تلائم نفسها مع انطباعات الحياة المتغيرة للشخص، وتتغير مع كل تغيير في وضعه، وتتلقى من كل انطباع نشيط جديد ما قد يسمى بـــــ “تاريخ علامة”. فعلاقة وهم ما بالزمن إنما هو عموما هام جدا، وقد نقول إنها تتأرجح، إذا جاز التعبير، بين ثلاثة أزمنة- لحظات الزمن الثلاث الذي ينطوي عليها تصورنا. والاشتغال النفسي مرتبط ببعض الانطباع السائد، مناسبة ما مثيرة في الحاضر والتي كانت قادرة على إثارة واحدة من الرغبات الكبرى للذات. من هناك فهو يعيد الذكرى إلى ذاكرة تجربة سابقة (غالبا تجربة طفولية) تحققت فيها هذه الرغبة؛ وهو الآن يخلق وضعية مرتبطة بالمستقبل الذي يمثل تحققا للرغبة. وما يخلقه إذن هو حلم يقظة أو وهما، و ما يحمله من آثار لأصوله من المناسبة التي أثارته و من الذاكرة. هكذا، ينظَّم الماضي، والحاضر، والمستقبل معا، إذا جاز التعبير، في خيط الرغبة التي تمر من خلالهم.
قد يساعد مثال عادي جدا في توضيح ما قلته. دعونا نأخذ حالة يتيم فقير كنتم قد أعطيتموه عنوان مشغل لعله يجد عنده عملا. في طريقه إلى هناك قد ينغمس في حلم يقظة ملائم للوضعية التي نشأ عنها الحلم. ربما سيكون مضمون وهم اليتيم شيئا مثل هذا. يحصل على عمل، ويجد حظوة لدى صاحب عمله الجديد، ويجعل نفسه ضروريا في العمل، وينتقل إلى أسرة صاحب العمل، و يتزوج البنت الفاتنة في البيت، ثم يصبح مديرا للعمل، أولا كشريك صاحب العمل ثم خلفا له. في هذا الوهم، استعاد الحالم ما كان يمتلكه في طفولته السعيدة – البيت المحمي، والوالدان المحبان، والأشياء الأولى لمشاعره العاطفية. سترون من هذا المثال الطريقة التي تستعمل فيها الرغبةُ مناسبة في الحاضر لرسم، على نمط الماضي، صورةَ المستقبل.
ثمة الكثير مما يمكن قوله عن الأوهام؛ على أنني سألمح فقط بقدر الإمكان من الإيجاز لبعض النقاط. إذا أصبحت الأوهام أكثر من اللازم وقوة مفرطة، فالظروف مهيأة لظهور العصاب أو الذهان. علاوة على ذلك، فالأوهام بوادر عقلية مباشرة للأعراض المؤلمة التي يشكو منها مرضانا. هنا يتفرع مسار واسع غير مطروق إلى علم الأمراض.
لا يمكنني أن أتخطى علاقة الأوهام بالأحلام. وليست أحلامنا في الليل سوى أوهام مثل هذه، كما يمكن أن نوضح من تأويل الأحلام.[4] فاللغة بحكمة لها نظير لها قد قررت منذ زمن بعيد مسألة الطبيعة الجوهرية للأحلام من خلال منح اسم “أحلام اليقظة” إلى الخلق المتجدد للأوهام. وإذا كان معنى أحلامنا عادة ما يظل غامضا بالنسبة لنا رغم هذا المؤشر، فذلك بسبب الظروف التي في الليل تظهر فينا أيضا رغبات نخجل منها؛ هذه الرغبات علينا أن نخفيها عن أنفسنا، وقد كانت بالنتيجة مكبوتة، ومدفوعة إلى اللاوعي. إن الرغبات اللاواعية من هذا النوع ومشتقاتها مسموح فقط بالتعبير عنها في شكل مشوه جدا. عندما كان العمل العلمي قد نجح في إيضاح هذا العامل لـــ تشوه-الحلم، لم يعد من الصعب إدراك أن أحلام الليل تحققات رغبة تماما مثل أحلام اليقظة- الأوهام التي نعرفها جميعا جيدا.
يتبع