الصّمت يحتاج الى نَفَس طويل..
المُضمَرُ في سُلوك الحُكومَة: منكُم.. ليهُم…!!

كنتُ قد قرّرت أن أصمُت على غرار ما فعله دوستويفسكي، ولكن الظاهر أن الصّمت يحتاج الى نَفَس طويل وموهبَة كبيرة، كما يقول فيودور نفسه، وأنا لا أملك هذه الموهبة. ولذلك، آثرت على نفسي، منذ مدة ليست بالقصيرة، ضبط النفس وعدم الخوض في الكلام عن السّياسة، بعد أن طلقتها بالثلاث لمدة ليست بالقصيرة. ولكنني، وجدت نفسي مُجبرًا على أن أتكلم عن حكايتي مع “حَولي العيد” هذه السنة، وهو ما يدخل حتمًا في صميم الكلام عن السياسة.
أعوام كثيرة عبر قرُون خلت، مرّت علينا فيها أعوامٌ وسنوات عجافٌ نحن المغاربة، عرف فيها المجتمع المغربي الشدّة والقحط والبلاء، وإن كان “العام” في الفهم الجَمعي العام المغربي يشير عادة إلى فترات الرّخاء والسُّرور، واليُمن والخير والبركة، بينما ترتبط “السنة” بأوقات الشدّة والمِحَن والابتلاء. ولكن الظاهر، أن كثيرًا من هذه الأمور قد تغيّرت مساراتها في السنوات الأخيرة مع الحكومة الحالية، ولم يعد كل عام “عام خير”، ولا كل سنة “سنة سعيدة”. وكأن قدرنا في المغرب، أن تتناوب علينا أعوامٌ ليست كلها دائمًا بخير، وكانت البداية من “عام الجوع” إلى “عام الجراد”، مُرورًا بأعوام “السّيبة” إلى “عام كورُونا”، والعياذ بالله من ذكره، وصولا إلى “عام الحولي” السّيء الذكر في عامنا الحالي، وستبقى تبعاته تلاحقنا، تطرح علينا أسئلة مختلفة، وتسطر أمامنا المزيد من الدوائر في المياه الرّاكدة. والمؤلم في النازلة، هو أن “عام الحولي” هذا جاءنا، ونحن نعيش في بحبوحة خيرات وفائض ماء. جادت علينا السماء بالمطر، أينع فيها الزّرع في الأرض، وفاض ضرع البقرات بما فيه. ولكن، كل ذلك لم يشفع لنا أمام الغلاء الفاحش الذي عرفه “حولي العيد” هذه السنة، وكأنها نعيش سنة يَباس ويُبوسة وقحط، وليست سنة خير ومطر. ولن يستطيع فلاح أو حكومة إقناعي أن الغلاء اختبارٌ ربّاني وطبيعي هذه السنة، بحُجّة أن الأثمنة زيد فيها بدءًا من الغازوال إلى علف الماشية، وأن “القضية وما فيها” لا يخرج في عمومه عن نظرية المؤامرة. ولكن ما ليس طبيعيا في الأمر، هو أن غلاء أضحية عيد هذه السنة، تجاوز كل الأرقام المَسموح بها تجاريًّا وقانونيًّا وشرعيًّا، في ظل وفرة في التّبن والعلف بكل أنواعه، ولم يعد الفلاح في ظل هذه الوفرة في حاجة إلى شرائه من السوق السّوداء.
كانت الحكومة المغربية الموقرة قد ارتأت أن تدعم الفلاح ومعه الكسّاب، وهذا شيء جميل في حدّ ذاته، ومن حقها أن تفعل وحقهم عليها ذلك، وإن كنت لا أعرف فروقات بين الفلاح والكسّاب، أنا أعتبرهما وجهان قبيحان لعملة واحدة. السياسة “الرّشيدة” لفترة تدبير هذه الحكومة المغربية الموقرة للشأن العام في البلد ارتأت كذلك، أن تدعم نفسها بنفسها، وحصل أن نال هؤلاء الفلاحين الكبار، وهم أعضاء في البرلمان وبعضهم الآخر أعضاء في الحكومة، ولم يخرج الصغار منهم دون نصيب من المال العام، ولا يهم باقي التفاصيل. وإن كان ما أعرفه بصفتي مواطنًا مغربيًّا، أن المال العام هو مال الشعب، وليس مال الحكومة.
وهنا أعود وأتساءل مرة أخرى، وهذه المرة بمنطق “الغشيم” الذي لا يفقه شيئًا في العلوم السياسية والاقتصادية: ألم يكن حريًّا بالحكومة المغربية الموقرة أن تفرض شروطًا على نفسها، كما على الفلاح
والكسّاب مقابل هذا الدعم؟ ألم يكن جديرًا بها في ذات الوقت أن تدعم المواطن المغلوب على أمره، كما عملت على تدعيم نفسها، ومعها الفلاح والكسّاب؟
أصبح هؤلاء في أيام العيد المباركة هذه، جميعهم ينتمون إلى فصيلة الحيتانيات، لا فرق بينهم وبين “الفراقشية” ونظرائهم “الشناقة” الكبار، أعمى الجشع والطمع عيونهم، وأسال الربح السريع لعابهم، ولم يعد هناك فرق بين القرش المفترس والحوت القاتل، أصبح كل هؤلاء “الشناقة” والفلاحون” و” الكسابون” بصغارهم وكبارهم يلتهمون جيوب المواطنين بدون رحمة ولا شفقة في أسواق الماشية، ولا يلفظونها على الأقل وهي سالمة، كما تفعل باقي الحيتان في أعماق البحار وظلمة مياه المحيطات. وبما أنني لا أفقه كثيرا في الاقتصاد وعلوم السياسة، كما أسلفت، وبما أنني أيضًا لا أميّز بين الاقتصاد المُوجّه، والاقتصاد الليبرالي، ولا أعرف نوعية الجمارك والحدود الشرعية والقانونية التي تفصل بين الرأسمالية الرّحيمة ونظيرتها المتوحشة، تبيّن لي والله أعلم، أن حكومتنا الموقرة فتحت علينا أبواب رأسماليتها المتوحشة، وهي لا تختلف في قسوتها عن أبواب جهنم، وقالت لنا كمواطنين مغاربة في خطاب شبه واضح: “منكم.. ليهُم”. وهكذا، لم نعد نميّز في الأسواق المغربية في أيام العيد الحالية بين وحشية الفلاح البسيط و”الشناق” و”الدّبّاح”، ودموية الحيتان القاتلة المتربصة بجيوبنا في محطات الوقود وغيرها من المحطات. لم يعد الفلاح البسيط رحيمًا، كما كان من قبل، ولا رأفة له بأخيه المواطن الأكثر بساطة منه، خصوصًا وأن المسألة تتعلق بسُنّة نبوية، وشعيرَة دينيّة لها بُعدها الدّيني والرّوحي في الدين الإسلامي والقيمي والأخلاقي في المُجتمع المغربي، وفيها أجرٌ كثير وثوابٌ ومغفرة عند الله تعالى للبائع و”الشناق” والمشتري جميعًا.
وهنا تكمن الخطورة النائمة، هذا الوضع قد يؤدي من دون شك في القادم من الأعوام إلى فتح الباب لاختفاء هذه الشعيرة من مجتمعنا، ويتبعها فتح بوابات أخرى للفتن في مختلف المجالات، وتسقط الشعيرة تلو الأخرى، سواء مع وجود الحُجّة أو بدونها.
وخوفي كذلك، أن يصبح الجميع حوتًا قاتلا، يتحرّك بين شرايين المجتمع المغربي في الوقت المناسب، لا أحد سيهتم لأحد، كل واحد ينتظرُ أن تأتيه الفرصة المناسبة بين يديه، حتى يأخذ بثأره من الآخر مثلثا ومربعا، ويمارس ساديّته في المجال الذي يتقنه. وهنا، لا أخفي خوفي أيضًا مرة أخرى من أن نرى ملامح مجتمع مغربي مغايرة، ملامح غريبة عمّا اعتدنا عليه نحن المغاربة من تآزر بين مختلف الشرائح الاجتماعية في المجتمع المتكتّل الواحد. وسيكون خطيرًا أن تتجاوز حينها عدوى “منكم.. ليهم” في غياب الدولة أو أي إجراءات حكومية رادعة وضابطة، من مرحلة العيد، وتصبح هي المعمول بها بعد العيد، وهي السائدة في باقي أيام الله الصالحات والطالحات، وحتى في المناسبات العاديات والعياذ بالله من شرور القادمات…!!
