عيد مبارك سعيد..

عيد مبارك سعيد..
Pinterest

عيد بأي حال عدت يا عيد..

       منير لكماني

لم نعد نسمع في الأزقة ذلك الصخب الطفولي العذب، ولا تلك الأصوات المتهللة التي كانت تنبعث من السطوح والطرقات، معلنة إقتراب العيد وامتلاء القلوب بالفرح. ولم يعد الأطفال يركضون خلف العربات في الحواري، جذلين مزهوين، يتباهون بما أوتيت أضحياتهم من قوة وحسن، وكأن لكل بيت رايته الصغيرة المرفوعة في وجه البهجة.

لقد أفرغ السماسرة والمحتكرون والمضاربون في الأسعار العيد من صفائه الأول، وسلبوه شيئا كثيرا من معناه الديني والإنساني والتضامني. فما عاد العيد، في نظر كثيرين، موعدا للرحمة والتآزر، بل غدا موسما للمغالاة والمساومة، وفرصة للربح الفاحش على حساب البسطاء. وهكذا خيم الصمت الكثيف على الحارات والدروب، بعدما كانت تضج بالأناشيد والضحكات والخطوات الصغيرة، يوم كنا نحمل السلال ونجوب أرجاء الحي، والفرح يسبقنا إلى الأبواب والنوافذ.

كانت ليلة عرفة، في ذاكرة الطفولة، ليلة مضمخة بالبراءة. كنا نعد الشعير للعلف، ونهيئ ما يلزم للأضحية، وننشد أهازيج تفيض بسحر شعبي جميل، يستدعي الجنة والبركة والنور والماء والطهر. كانت الكلمات بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، تصنع من إنتظار العيد طقسا من الألفة الجماعية، وتمنح الطفل إحساسا بأن الأضحية ليست مجرد ذبيحة، وتمنح الطفل إحساسا بأن الأضحية ليست مجرد ذبيحة، بل نعمة تسبق العيد، ورمز من رموز القرب والطاعة والرحمة.

وكانت عرفة في القنيطرة ذات نكهة أخرى؛ نكهة وادي سبو، ورائحة التراب المبتل، وإمتداد السهول الخضراء، ودفء الأحياء الشعبية التي كانت تعرف كيف تصنع الفرح من أبسط الأشياء. هناك كان الخيال الشعبي يضيف إلى الأناشيد أجنحة واسعة، فيمزج النهر بالبركة، والماء بالنور، والطير بالمسافة، والطفولة بالدهشة. لم تكن تلك الأهازيج كلاما عابرا، بل كانت مفاتيح لذاكرة جماعية؛ نرددها ولا ندري أنها ستسكننا طويلا، وأنها ستعود إلينا بعد أعوام مثل عطر قديم ينهض من قاع الروح.

وعند لحظة الذبح، كان أبي ينادي بصوت يملؤه الوقار، طالبا الماء وما جرى به العرف في تلك الساعة المهيبة. ثم يأتي بالورد والريحان اليابس، ويناولهما للأضحية في سكينة، وهو يتمتم بكلمات رقيقة تشبه الدعاء والإعتذار والشكر. كان المشهد كله مغمورا بجلال خاص؛ ماء وطيب وذكر ورحمة، كان المشهد كله مغمورا بجلال خاص؛ ماء وطيب وذكر ورحمة، حتى ليبدو البيت في تلك اللحظة ساكنا خاشعا، وقد غمرته هيبة الشعيرة ورقتها.

في تلك اللحظات كنا نشعر أن العيد ليس مظهرا ولا تفاخرا، بل عبادة تنبثق من الرحمة، وشعيرة تتصل بمعاني البذل والقرب والتكافل. كانت الأضحية بابا إلى الجوار، وسببا في السؤال عن الفقير، ومدخلا إلى صلة الرحم، وفرصة لتجديد وشائج المودة بين الناس.

غير أن كثيرا من هذا النقاء قد تبدد. فقد تحولت الشعيرة، في أيدي السماسرة والمحتكرين والمضاربين في الأسعار، إلى سوق قاسية لا ترحم. وإرتفعت الأثمان حتى صار العيد، عند فئات واسعة، مصدر قلق وإنكسار، بدل أن يكون موعدا للسكينة والفرح. وأصبحنا نرى آباء وأمهات تخنقهم العبرة لأنهم عجزوا عن توفير أضحية العيد لأبنائهم؛ لا لأن الدين كلفهم ما لا يطيقون، بل لأن جشع البشر أثقل عليهم ما كان ينبغي أن يبقى ميسورا ومجبولا على الرحمة.

وهكذا إنحسر الفرح من الأزقة، وخفتت الأهازيج، وبهتت الطقوس التي كانت تمنح العيد روحه الأولى. بقي العيد في التقويم، لكن شيئا من معناه تراجع في القلوب. وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد لهذه الشعيرة نورها، وأن نحررها من قبضة التباهي والمغالاة، وأن نجعلها كما أرادها الله: قربة ورحمة وتضامنا، لا موسما للإبتزاز، ولا مرآة موجعة لفقر الفقراء وعجز المحتاجين.

26/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *