من التفسير إلى التبرير
نوافذ في صدق المعنى..
عتبة كلامية : حين يبدأ المعنى بالارتباك
لا أعتقد أن كل رحلة في عالم ” الفهم ” هي بريئة ، كما قد يظن الجميع . فبين لحظات السؤال عن ( لماذا يحدث هذا ؟ ) ، واللحظة التي نهمس فيها بذاك الصوت الخفي ( ألم يكن ممكنا غير هذا الذي حدث ؟ ) . ينزلق شيء خفي فينا ، ويتراوح جيئة وذهابا بين البحث عن المعنى والبحث عن المخرج . فنقبل في البدء على التفسير باعتباره فعلا معرفيا نزيها ، ونحمَّله كل ما لا يحتمل ، بهدف أن : يطمئننا … يبرئنا … يعيد ترتيب كل الأمور وفق هشاشتنا وتصوراتنا ومنطق دواخلنا المضطرب . فيتحول السؤال من أفق مفتوح الى أجوبة مغلقة على مقاساتنا .
وفي هذه المسافة الملتبسة ، تُولَد الحاجة الى التأمل : لا لنفهم ماحدث فقط ، بل لنستنبط كيف نفهم … ولماذا ننحاز ؟
النافذة الأولى : حين نبدأ بالفهم … لا بالحكم
قبل أن تتدخل الرغبات، وقبل أن تتشكل المواقف نكون أمام لحظة نادرة ، يكون فيها العقل أقرب الى الصفاء . وخلالها لا نسأل لنُدِين ، ولا لأن ندافع ، بل لأن في داخلنا رغبة ملِّحة وأصيلة للفهم يكون من خلالها التفسير بعيدا عن أي موقف ، لأنه حالة إنصات. إنصات لما : تقوله كل الوقائع المتناسلة حين نكف عن مقاطعتها… تقترحه الأسئلة حين تفتقد للأجوبة المنتظرة والجاهزة .
انه أشبه ما يكون بوقفة مع الذات وداخلها ، وقفة نعلّق فيها أحكامنا ونؤجل انحيازاتنا ، فنمنح العالم فرصة أن يكتشف نفسه … كما هو كائن لا كما نريده أن يكون . غير أن تلك اللحظة رغم نقائها وصفائها ، تبقى هشة بطبيعتها . اذ سرعان ما يتسلل إلينا عبرها قلق خفي ، قلق من أن يقودنا ” الفهم” الى ما لا نرغب فيه ، الى اكتشافات تُربِك صورتنا عن أنفسنا ، أو تُسْهم في زعزعة يقينا بنيناه طويلا بالصبر والمحبة . ومن هذا المنطلق يبدأ التفسير في ركوب سِفْرِ ودوامة التغير ، حتى دون أن ننتبه .
فبدل أن نظل في موقع السائل ، نجد أنفسنا وقد بدأنا في البحث عن أجوبة مريحة..
وبدل أن نصغي، نكون أمام اختيار لما نريد أن نسمعه .
وحتى بدل أن نكتشف المعنى ، نشرع – وبكل هدوء – في تشكيله .
وهكذا نجد أنفسنا أمام واجهة يفقد فيها التفسير براءته الأولى ، ويتحول من ” رحلة نحو الحقيقة ” الى” عملية انتقاء لما يناسبها منها ” . وهنا تقف أمامنا الأسئلة التالية :
* الى أي حد يمكن أن نحافظ – بشكل دائم – على تلك اللحظة النقية ؟
* كيف يمكن أن نستعيدها كلما تذكرنا أن الفهم الحقيقي يتطلب منا أن نكون صادقين ؟ خاصة وأن أول شروط كل تفسير نزيه ليس هو الذكاء ، بل القدرة على تحمل ما يكشفه لنا الفهم ، حتى حين لا يرضينا ….
المختار عنقا الإدريسي
طنجة في 6 .5 . 2026
