قراءة نقدية للناقد محمد ياسين خليل القطعاني
ترافق الصور الفنية مع الحالات النفسية في رواية : شبابيك
للروائية السورية: ريما آل كلزلي
حظيت الصورة الفنية بعناية الأدباء والنقاد منذ عرف الناس الشعر والنثر الأدبي، والصورة الفنية البلاغية أداة يلجأ إليها المبدع لتجسيد المعاني والأفكار، ولإحداث حالة شعورية انفعالية وعقلية لدى المتلقي.
الصورة في العمل الأدبي تتشكل في إطارٍ من اللغة والعاطفة والخيال ؛ لِرسم لوحة فنية كلية تعبر عن التَّجربة التي مرَّ بها المبدع، أو يتخيل أنْ يمرَّ بها آخرون، وتتجاوز المجازَ التقليدي إلى الرمز والإيحاء، فهي ليست مجرد زينة أسلوبية، بل هي عملية إبداعية تتمّ عبرَ تحويلِ غيرِ المرئي وغيرِ المحسوس إلىمرئيٍ ومحسوسٍ؛ لِتثيرَ الدهشة، وتدعوَ إلى التوقفِ والتأمل.
الصورةُ الفنية يستعيضُ بها المبدع عن اللغة التقريرية؛ ليصطحبَ معه المتلقيَ إلى عالمِ التخيلِ، فيشاركه في الحالةوالمعنى والفكرة، وبذلك يحدث التفاعلُ بين مَنْ أبدعَ، ومنْ تلقي.
ولا يتصور متصورٌ أن يخلوَ النصُ الأدبي من بعض أضربِالتصوير الفني ، مثل : التشبيهات أو الاستعارات أو الكنايات أوالمجازات وإلا لأصبح ضرباً من الكلامِ المألوف الذي لا يشعرُ معهالمتلقي بمتعةٍ، ولا يهتزُّ له وجدان .
وقديمًا قال الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر : ” فإنما الشعرُصناعةٌ، وضربٌ من النسجِ ، وجِنسٌ من التصوير“ وما يصدق على الشعر يصدق بعضُه على النثر، ونؤكد هنا على عبارة:( جنس من التصوير)، فالصورةُ في حقيقتِها كما ذكرنا آنفاً أداةٌمن أدواتِ المبدع لِيُجسدَ من خلالها المشاعر والمعاني .
هذا باختصار ما يخصّ الصورةَ الفنية ودورَها في النص الأدبي مهما كان مسماه شعراً أمْ نثراً .
نذهبُ مع الروائية السورية : ريما آل كلزلي؛ لنتصفحَ معها بعضَ الصور الفنية التي استعانتْ بها في روايتها: ( شبابيك)؛ لإيصالِ الفكرةِ أو المعنى أو الحدث أو الحالة.
١- في الصفحة الثانيةَ عشرةَ :
الحالة كالتالي : ( امرأة تقف ساكنة تتأمل الطفل آدم من بعيد.)
الأسلوب التقريري:
(آدم) الشخصية الرئيسة في الرواية ـ وهو في مرحلة الطفولة ـيشاهد (مريم) كبيرة السن ـ وهي إحدى شخصيات الرواية ـ تقف بعيداً في حذر، وتنظر إليه بحب نظرة أمومة، لكنها لا تجرؤ على الاقتراب منه خوفاً من شيءٍ ما .
الأسلوب الفني ( الصورة الفنية):
اقتباس من الرواية : “ تتأملُ وجهَه، تقِف هناك مُتكئةً على ظلِّها الواهن، تحتضنُ قلبَها المثقلَ بالأمنيّات، وتعتقدُ بأنها تُخفينفسَها خلفَ الوِشاح …“
القارئ يرسم لوحةً( فوتوغرافية) لتلك المرأةِ مُستدعياً دلالات الكلمات: (متكئة الانحناء ـ الظل الشمس ـ الوهن الضعف ـ الثقل الانكسار ـ الأمنيات أشياء لا تتحقق )، فيصبحَ لديه صورةٌتشكيلية للمرأة التي تُعاني من الضعفِ والحرمان واليأسوالانتظار، كما أنّ الصورة غنيةٌ بالمجاز :( الاستعارة) وغنيةٌ كذلك بالكلمات ذات الدلالات الرمزية من : (أفعال، وحال، وأوصاف
صفة الصورة: ( السكون والخوف) .
٢- الصفحة الثالثةَ عشرةَ:
الحالة كالتالي: ( آدم) مضطرب، يتخبط ، يعجز عن التعبير عن تَجربتِه الحياتية .
الأسلوب التقريري:
آدم يعاني من التخبط ، لا يستطيع صوغَ تَجربته في الحياة بأسلوبه، فيلجأ إلى شخصٍ يكتب له حكايتَه التي لا يُحسن كتابتَها.
الأسلوب الفني: ( الصورة الفنية)
اقتباس على لسان آدم : ” الدكتور عبدُالله أرادَ أنْ يتابعَ تلك الحكايةَ المعلقةَ على حبالِ ذاكرتي، وتتأرجحُ في كلِّ الاتجاهات، كنسيجٍ من خيوطٍ متشابكة …”
القارئ يتخيل آدمَ وهو يتخبط يمنةً ويسرةً، و تحيطُ به الجدران من كل ناحية، وذاكرتُه التي تحمل قصتَه معلقةٌ على حبال واهية متداخلة تعجز عن حملِها، كأنه في مصيدةِ شبكةِ العنكبوت.
الحالة النفسية التي صورتها الروائية :
حالة مضطربة تناسبها الصورةُ المتحركة عبر الكلمات الدالة على الحركة التي تصل إلى مرحلة الخطر: ( المعلقة ، حبال، تتأرجح، نسيج ، خيوط متشابكة) مستخدمة كذلك الاستعارة والتشبيه.
صفة الصورة :( حركة ويأس) .
الصفحة الرابعة والعشرون :
الحالة كالأتي: ( آدم ينظر إلى أبيه بعينِ الاسترحام، يتأملُ ما فعلته السنونالثلاثون بذلك الرجل الذي كان قويًا).
الأسلوب التقريري :
( أبي مرتْ عليه ثلاثون سنة، فسقطتْ أسنانُه إلا القليل، وشعره تحول إلى اللونِ الابيض بعدَ السواد.)
الأسلوب الفني ( الصورة الفنية):
اقتباس على لسان آدم:
” بعدَ ثلاثين عاماً تغيرَ كُلُّ شيء، أو هكذا يبدو، لم يتبقَ في فمِ أبي سوى نابٍ واحدٍ إلى جانبِ القواطع، وشعرُه الأشيب كجيشٍ منتصرٍ استعمرَ ساحةَ رأسِه بأكملِها … ”
استطاعت الصورةُ البصرية لحالة الأب التي رسمتها الروائية من خلال استخدام الكلمات ذات الدلالات والرموز على استلابِعينِ القارئ ، واستدرارِ عواطفِه نحو ذلك الأبِ الذي كان قوياً فتياً ذاتَ يومٍ.
واستعانت الكاتبةُ على ذلك من خلالِ إيحاءات الكلمات، والعباراتِ: ( تغير كل شيء ـ لم يتبقَّ ـ ناب واحد ـ شعره الأشيب ـ استعمر ساحة رأسه ).
لجأت الكاتبة إلى الإدراكِ الحسي ( حاسة البصر)؛ لِتجعلَالمتلقي يعيش معها ما فعله الشعرُ الأبيض بعدما غزا شعرَ رأسِأبيه الأسود، وحوله إلى اللون الأشهب، صورت الكاتبة الشعرَالأبيض كجيشٍ يغزو المكان كله، وينتصر دونَ مقاومة، بل ويستقر مطمئنًا، والشيب هنا دليلُ الضعف والوَهَنِ ورسولُ الموت.
هذه الصورة الفنية احتوتْ على: الكناية والتشبيه وأسلوب القصر؛ ولذلك تعايش معها القارئ صورةً، وحركةً، وصوتاً .
صفة الصورة : (رؤية بصرية و لونية وحركية، وحسية).
هذه الصورة تدفع القارئ إلى استدعاءِ ما جاءَ في القرآن الكريم، على لسانِ النبي زكريا، وكان ابنُ سبعين سنةً ، قالتعالى :
“واشتعلَ الرأسُ شيبًا “ سورة مريم الآية (٤) الرابعة حيث شبه انتشارَ الشيب بالرأس بانتشارِ النار في الهشيم للمبالغة في انتشار البياض.
وهذه بعضُ الصور الفنية التي استخدمتها الكاتبة لإيصالِأفكارها، ورؤاها إلى المتلقي :
١- في الصفحةِ الحاديةِ والستين نقرأ :
اقتباس : ” اشتدَّ صوتُ الرعد، وبدأ المطرُ ينهمرُ بغزارة، كأنَّالسماءَ تذرف شجونَها دَفعةً واحدةً ” .
احتوت الصورة على تشخيصِ السماءِ بامرأةٍ باكية تنهمر دموعُها بغزارة، كما جسدت الحزنَ بصورةِ دفقات المطر؛ لتتوافقَ الصورة الفنية مع الحالة النفسية.
٢- ونقرأ في الصفحةِ الحاديةِ والستين كذلك:
اقتباس : “وقفَ آدمُ عند النافذةِ يراقبُ قطرات المطر وهي تنسابُ كخيوطٍ زُجاجيةٍ مُتكسرةٍ على الزجاجِ البارد”
نقف لحظاتٍ عند هذه الصورة الفنية، فالطبيعيُّ أنّ قطراتِ المطرِتنسابُ على الزجاج كخيوطٍ رفيعة متصلةٍ إلى أسفل، لكنّ الكاتبةَجعلت الخيوطَ الرقيقة الناعمة خيوطاً زجاجيةً خشنةً قاسية مُتقطعة، ثم تتكسرُ تلك الخيوطُ الزجاجية وتتشظى ، وجعلت المتلقي يسمعُ صوتَ التكسر ويراه، فيشعرُ بما يشعرُ به البطلُفي الرواية .
هنا زاوجت الكاتبة بين الحالةِ النفسية للبطل (آدم)، حيث انكسارِه الداخلي انعكسَ على انكسارِ الأشياء حوله، وتوترُه الداخلي انعكسَ على عدمِ انسيابية الأشياء حوله التي منْطبيعتِها الانسياب.
جمالُ هذه الصورة ينبعُ من ابتكارِها، وكونِها جديدةً غيرَ مطروقةٍ من قبلها، فأثارت الدهشة لدى القارئ، لِما تضمنته من (اللون والصوت والحركة والإحساس )؛ لذلك لامستْ حواسَالمتلقي، وأبقت الصورة في ذهنه، وهذا التأثير من دلائل جودة ِالصورةِ وابتكارِها وجمالِها.
٣- و نقرأ في الصفحة الثامنةِ والسبعين .
اقتباس: “ وحيداً ، جلستُ في غرفتي ، أراقبُ الضوءَ الخافتَ وهو يُغازلني بخجلٍ ، كانَ ينوسُ ويرتجفُ كلما عبثَ النسيمُ بستائر النافذةِ ”
في هذه الصورةِ الفنية الغنية ب (الحركة واللون والصوت، والاسترخاء) استدعت الكاتبة كلمةً من المعاجم اللغوية لم تعدْ مألوفةً لدى الكثيرين من الكتاب؛ لتعبرَ بها عن تلك الحالة ِالنفسية، وأقصدُ كلمةَ ( ينوس)، لما تحملُه الكلمةُ من دلالات🙁التمايل والرقة واللين) ، فالكلمة تتوافق مع حالةِ:( الغزل ، والخجل، والنسيم ، والنافذة).
الروايةُ غنيةٌ بالصورِ الفنية، ولم تكن الصورُ الفنية مقصودة ًلذاتها، بل هي أداةٌ لتحويلِ الفكرةِ المجردة إلى شيءٍ ينبض ُبالحركة والحياة ، كما أنّ لها دوراً في استمالةِ المُتلقي بهدف ِإقناعِه بما تريد الكاتبة أنْ تمررَه من رسائلَ، ورؤى اجتماعية و فلسفية .
