حق الملح….
من بلاغة الامتنان الى صخب الاستعراض
1 من أجل اطلالة تاريخية
“حق” الملح تقليد مغربي عريق ، يعرف أيضا ب” التكبيرة” و “حق الطعام “، تمارس صباح عيد الفطر كتقدير من الزوج لزوجته على جهودها طيلة شهر رمضان. وتشير المعطيات التاريخية الى أن هذه العادة قد انتقلت الى دول المغرب العربي قبل خمسة قرون، وترتبط جذورها بالعِشْرة والمودة بين الزوجين . وهناك من يعتقد انها انتقلت الى المنطقة المغاربية خلال الحقبة العثمانية ، حيث كانت تعتبر اعترافا للزوجة بحق العشرة أو حق الملح ومضمونها أنها غالبا ماتكون قطعة من الحلي ، أو أي هدية رمزية تقدم للزوجة صبيحة العيد . وهناك من يرى بأنها تعود لأصول أندلسية، حيث نقلها المهاجرون الى دول شمال افريقيا ، بعد غزو بلادهم وتعرضهم للتنكيل – محاكم التفتيش – فحافظ عليها سكان المنطقة ، وتناقلوها جيلا بعد جيل .
2 حين ينطق الامتنان في صمت رمضان
مع اقتراب انقضاء شهر رمضان ، فان الوداع لا يكون مجرد انتقال من زمن الصيام الى وقت العيد ، بل هو أيضا لحظة
مراجعة خفية لما مرّ من أيام ، وما تخللها من عطاءات تمتد من الصغر الى الكبر، وقد
تمر دون أي انتباه . وفي خضم هذا الصفاء الروحي ، تطفو على السطح عادة مغاربية أهم ما يميزها الدفء … المحبة … التقدير،
تختصر الكثير من المعاني في كلمة واحدة تتراوح بين [ حق الملح ] و [ حق الطعام] أو [ التكبيرة ] أو [ العِشْرَة ] وهي لا تخرج عن دائرة العادات المرتبطة بالمواسم الدينية والأعياد التي توحد بين الدول المغاربية وتميزها عن غيرها ، فتمزج الروحانيات بالعادات والتقاليد الكثيرة في دول المغرب العربي .
2 حق الملح من الهدية الى الاعتراف
وقد اختلفت المبررات عن اسمها ذاك، فهناك من يذهب الى أن في هذه التسمية اشارة الى أن الأم أو الزوجة أو الأخت تكون مضطرة الى تذوق الطعام بطرف اللسان حتى لا يفسد لها الصيام . وهناك من يسميها ” التكبيرة ” لأن المرأة تحرص على تقديم الطعام الشهي طيلة شهر رمضان بملح معتدل دون أن تتذوقه ، معتمدة على خبرتها وتحكمها برؤية العين والاحساس.
بينما يفضل البعض تسميتها ب” العِشْرَةُ ” لأنها تحافظ على التالف خلال سنين الحياة التي تجمع الأسرة بحلوها ومرّها ، وأن هذه الهدية المقدمة لها هي بمنزلة اعتراف بحق العِشرة . وفي جميع الحالات هي تعبير عن تكريم لصاحبة البيت واعترافا لها بالجميل على فضلها وصبرها وتعبها طوال شهر رمضان . وتبقى من أجمل العادات المغاربية التي تؤكد على الترابط الأسري ، وتدعم ترسيخ قيمة المرأة داخل أسرتها أولا وفي مجتمعها ثانيا .
3 المرأة وبلاغة العطاء الصامت
وعموما فإن هذه العادة ليست مجرد هدية تُقدم في نهاية هذا الشهر – الذي نعيش أيامه الأخيرة – بل هي في جوهرها ، اعتراف مؤجل بجميل مستمر . اعتراف بتعب يومي لم يرفع له لواء ، وبسهر لم يدوّن في سجل ، وبعناية نُسجت تفاصيلها بين المطبخ والبيت ، بين الافطار والسحور ، بين صمت الارهاق وابتسامة الرضا . وهو مقام لا تنتظر فيه المرأة أي مقابل ، ولا تكلف نفسها عناء احصاء ما قدّمت ، لأنها لا تنطلق من منطق العطاء ولا من منطق الربح والخسارة .ومع ذلك يأتي” حق الملح ” كاشارة انسانية رقيقة ومميزة ، تقول لها دون ضجيج : 【 لقد رأيناك سيدتي وأحسسنا بالجهد المبذول … وان لم نقل ذلك كل يوم 】.
4 رمزية الملح : ما لا يُرى لكنه يُذاق
بالعودة الى ” الملح “في رمزيته البسيطة ، نجد أنه هو المانح للطعام نكهته ، دون أن يُرى . وكذلك هي المرأة في كثير من البيوت ، حاضرة في كل شيء وغائبة عن الاعتراف . ومن تمة فان ” حق الملح ” هو ردّ اعتبار معنوي ، يعيد التوازن لما اختل في منظومة ولغة الامتنان . في زمن تتسارع فيه العلاقات ، وتختزل القيم أحيانا في مظاهر عابرة ، وقد تبدو هذه العادة كأنها بقايا حكمة قديمة ، تذكرنا بأن : 【 من لا يشكر التفاصيل الصغيرة ، يفقد القدرة على فهم المعاني الكبيرة 】. ومع قرب اشراقة عيد الفطر ، نقول بأن الفرح لا يكون كاملا إلا حين يتقاسمه الجميع ، وخاصة المرأة – الأم، الزوجة، الأخت، البنت -. لأنها هي التي صنعت أسبابه في صمت وصبر، هناك حيث كانت تختلط رائحة الخبز، الحلويات، العصائر … وغيرها، بدفء العائلة، وحيث تتوارى الكلمات خلف الأفعال، فيولد معنى آخر للعيد : عيد لا ولن يقاس بما نلبس، بل بما نعترف به من فضل.
5 استعادة المعنى قبل الشكر
غير أن ” حق الملح ” في زمننا الحاضر، بدأ ينزاح عن معناه الأصيل ، ليتحول من التفاتة امتنان وتقدير صامتة الى مناسبة للاستعراض العلني . فلم تعد القيمة تقاس بصدق الاعتراف ، بل أضحت – في الكثير من الأحيان – تُختزل في ثمن الهدية وصداها على منصات التواصل الاجتماعي.
وهكذا انتقل ” حق الملح ” من دائرة الرمزية الدافئة الى فضاء المقارنة والتباهي ، حيث تقاس المشاعر بما يُعرض لا بما يُحس . وفي هذا التحول ، يتهدد جوهر تلك العادة الجميلة بالضياع ، لأن الامتنان حين يُفرغ من صِدْقِه وبساطته ، يفقد معناه حتى ولو غلا ثمنه . فليست المجوهرات ولا السيارات الفاخرة هي مايعيد الاعتبار، بل تلك الالتفاتة الصادقة التي تقول في هدوء واتزان : ” شكرا ” . لذلك يظل التحدي الحقيقي اليوم هو ” اعادة الملح ” الى بساطته الأولى ، حيث القيمة في النية ، لا في المظهر ، وهكذا يظل درسا بليغا ، لأن أجمل مافي العطاء ليس مانقدّمه ، بل كيف نعترف به ، اعترافا جميلا صادقا وغير معلن .
المختار عنقا الادريسي
طنجة في 19 مارس 2026
