تبنّي المصداقية في الكلمة..

تبنّي المصداقية في الكلمة..
X.com

أمانة تصنع الاحترام وتعزّز التفاهم

         د.محمد جستي

المصداقية في الكلمة تمثل إحدى الركائز الأساس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الشعوب. فالكلمة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للقيم، ومرآة للضمير، وجسر يربط بين الذوات المختلفة. وفي عصر تتسارع فيه تدفّقات المعلومات عبر الوسائط الرقمية، تزداد الحاجة إلى ترسيخ مبدأ الأمانة في نقل الأخبار والآراء، لما لذلك من أثر مباشر في بناء الاحترام المتبادل وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.
حيث يشير مفهوم المصداقية والأمانة في الخطاب إلى درجة تطابق القول مع الحقيقة، واتساق الرسالة مع الوقائع الموضوعية بعيداً عن التزييف أو التحريف. أما الأمانة، فهي البعد الأخلاقي الذي يُلزم المتحدث أو الكاتب بتحمّل مسؤولية ما ينقل أو يعبّر عنه. وقد ارتبطت هاتان القيمتان في التراث الإنساني ارتباطاً وثيقاً؛ إذ إن الكلمة الصادقة تُعدّ تجسيداً للأمانة الفكرية، بينما يُعدّ التضليل إخلالاً أخلاقياً يهدد الثقة العامة.

لذا ينشأ الاحترام في العلاقات الاجتماعية من إدراك الطرف الآخر لصدق النوايا وشفافية الطرح. فعندما تتسم الخطابات الرسمية والإعلامية بالمصداقية، يترسخ الشعور بالاطمئنان ويُبنى رصيد من الثقة المتبادلة. وعلى العكس من ذلك، يؤدي انتشار الأخبار الزائفة أو الخطابات المتحيّزة إلى تآكل الثقة، وخلق فجوة معرفية ونفسية بين الأطراف المختلفة.
إن المجتمعات التي تُعلي من قيمة التحقق والموضوعية في تداول المعلومات غالباً ما تتمتع بمستوى أعلى من التماسك الداخلي والاحترام المتبادل، لأن أفرادها يتشاركون أرضية معرفية قائمة على الحقائق لا على الشائعات.

و في السياق الدولي، تلعب الكلمة الصادقة دوراً محورياً في تعزيز التفاهم و تشكيل الصور الذهنية المتبادلة بين الشعوب. فالإعلام، والمؤسسات الأكاديمية، والهيئات الثقافية تمارس تأثيراً بالغاً في نقل صورة “الآخر”. وعندما تكون هذه الصورة مبنية على معلومات دقيقة ومتوازنة، فإنها تسهم في تقليل الصور النمطية وتعزيز الحوار الحضاري.
كما أن الدبلوماسية الحديثة تعتمد إلى حدّ كبير على الشفافية والوضوح في الخطاب، إذ إن غياب المصداقية قد يؤدي إلى سوء فهم أو تصعيد غير مقصود. ومن هنا، تصبح الأمانة في الكلمة أداة وقائية ضد النزاعات، ووسيلة لتعزيز التعاون الدولي.

إذ أفرزت البيئة الرقمية تحديات معاصرة غير مسبوقة أمام مصداقية الكلمة، تتعلق بسرعة انتشار المعلومات وصعوبة التحقق منها. فقد أتاح الفضاء الإلكتروني لكل فرد أن يكون منتجاً وناشراً للمحتوى، مما زاد من احتمالية تداول معلومات غير دقيقة. وتكمن الخطورة في أن التضليل قد ينتشر أسرع من الحقيقة، مؤثراً في الرأي العام وصنع القرار.
لذلك، يبرز دور التربية الإعلامية والنقدية في تمكين الأفراد من مهارات التحقق، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات الإعلامية في الالتزام بالمعايير المهنية، مثل التوثيق، وتعدد المصادر، والحياد.

إن ترسيخ ثقافة قائمة على الأمانة و الشفافية و المصداقية يتطلب جهداً تكاملياً يشمل:
– التنشئة الأخلاقية التي تغرس قيمة الصدق منذ المراحل التعليمية الأولى.
– المسؤولية المؤسسية عبر تبني مواثيق شرف إعلامية واضحة.
– الوعي المجتمعي بأهمية التحقق قبل إعادة نشر المعلومات.
التعاون الدولي لمكافحة حملات التضليل العابر للحدود.

تبنّي المصداقية في الكلمة ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة أخلاقية وحضارية. فالأمانة في التعبير تُنتج احتراماً متبادلاً، والاحترام يفتح آفاق التفاهم، والتفاهم يمهّد لبناء علاقات أكثر استقراراً و عدلاً بين الشعوب. وفي عالم مترابط تتداخل فيه المصالح والتحديات، تبقى الحقيقة أساساً لأي حوار مثمر، والكلمة الصادقة ضمانةً لمستقبل أكثر انسجاماً وإنسانية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *