القعدة بين الجفنة والبستيلية…
حين صنعت الأواني المعدنية سعادة المغاربة.. ثم غابت…!
القعدة: إناء من ذاكرة المغاربة

القعدة هي وعاء معدني كبير وعميق، كان معروفا في عدد من مناطق المغرب، ويصنع غالبا من النحاس أو الحديد المطروق. يمتاز بحجمه الكبير وصلابته، ما يجعله صالحا لأعمال كثيرة في الحياة اليومية، مثل الغسيل، نقل الماء، وإعداد الطعام الجماعي. وفي بعض المناطق تسمى الجفنة، وفي مناطق حضرية تعرف باسم البستيلية، بينما تحمل أسماء أخرى في بعض اللهجات المحلية.
ولم تكن القعدة مجرد أداة للإستعمال المنزلي، بل كانت جزءا من الثقافة الشعبية. فقد استعملت في غسل الملابس والأغطية الصوفية بإستعمال مواد تقليدية مثل تيغشت والغاسول، قبل إنتشار مساحيق الغسيل الحديثة. كما اكتسبت وظيفة أخرى مميزة، إذ تحولت في الأعراس والمناسبات إلى أداة تصدر إيقاعا موسيقيا خاصا، حين تضرب حوافها بالأيدي أو بالأرجل.
القعدة: ذاكرة من معدن
حين نستحضر القعدة اليوم، فإننا لا نتذكر مجرد إناء معدني قديم، بل نستحضر قطعة من ذاكرة المغاربة. لقد كانت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من العمل الشاق إلى لحظات الفرح. وكانت المرأة المغربية تعرف قيمتها جيدا، لأنها تساعدها في الغسيل، وتحضر معها في التجمعات، وترافقها في مواسم الحياة البسيطة.
تميزت القعدة بقدرتها على البقاء زمنا طويلا، لأن المعدن الذي صنعت منه كان قويا ويتحمل الإستعمال المتكرر. ولهذا كانت تنتقل أحيانا من جيل إلى جيل، وكأنها تحمل معها قصص البيوت القديمة، وأصوات النساء، وضحكات الأطفال، ودفء اللقاءات العائلية.
بين القعدة والجفنة والبستيلية
اختلف الإسم من منطقة إلى أخرى، لكن المعنى ظل واحدا. ففي بعض القرى تسمى الجفنة، وفي المدن قد تعرف بالبستيلية، وفي آسفي تعرف بالقعدة. هذا الاختلاف في التسمية يعكس غنى الثقافة المغربية وتنوعها، لكنه لا يغير من حقيقة أن هذه الأداة كانت تخدم الإنسان في حاجاته اليومية وترافقه في أفراحه.
في البوادي كانت القعدة أو الجفنة تستعمل لنقل الماء، وسقي الحيوانات، وغسل الأغطية والملابس الثقيلة. وكانت جزءا من حياة جماعية بسيطة، حيث يتعاون الناس في حملها واستعمالها. وهكذا أصبحت شيئا يجمع بين المنفعة المادية والمعنى الإجتماعي، لأن وجودها لم يكن معزولا عن روح الجماعة.
يوم الغسيل: من عمل يومي إلى مهرجان
كان يوم الغسيل في بعض الدواوير مناسبة خاصة، خصوصا بعد السوق الأسبوعي. تحمل النساء الملابس والأغطية إلى العيون والينابيع، ويقضين هناك ساعات طويلة في الغسل والشطف والفرك. لكن هذا العمل لم يكن مجرد تعب، بل كان يتحول إلى لقاء جماعي ممتع.
عند الماء تختلط أصوات النساء بخرير العين، وتمتزج الحركة بالغناء والزغاريد. وكانت القعدة في قلب هذا المشهد، تستعمل للغسل والنقل، لكنها أيضا تشهد على لحظات التعاون والتسلية. فيتحول العمل اليومي إلى ما يشبه مهرجانا صغيرا، فيه الحركة والمرح والإنشاد، وفيه أيضا شعور قوي بالتضامن بين النساء والأسر.
القعدة كآلة موسيقية: الرقص فوق المعدن
من أكثر ما يميز القعدة في الثقافة المغربية أنها لم تبق مجرد وعاء معدني، بل أصبحت أحيانا آلة موسيقية شعبية. ففي الأعراس والمناسبات السعيدة، كانت تقلب أو توضع بطريقة خاصة، ثم تضرب حوافها لتصدر صوتا إيقاعيا قويا يشبه الطبل.
وكان هذا الإيقاع يرافق الرقص والغناء، ويزيد الحاضرين حماسا وفرحا. وهنا تظهر عبقرية الثقافة الشعبية، التي تستطيع أن تحول أداة من أدوات العمل إلى وسيلة للفن والاحتفال. فالقعدة جمعت بين الخدمة اليومية والمتعة الفنية، وبين تعب النهار وفرح الليل.
نساء يصنعن الفرح: من نجاح الأطفال إلى زيارة الأولياء
لم تقتصر القعدة على الغسيل والأعراس فقط، بل حضرت أيضا في لحظات الفرح الصغيرة داخل المجتمع. فعند نجاح الأطفال، أو في المناسبات العائلية، كانت النساء يجتمعن للغناء والرقص وإعداد الطعام، في أجواء بسيطة لكنها مليئة بالدفء.
كما ارتبطت ببعض الزيارات الجماعية للأضرحة والمواسم المحلية، حيث كانت النساء يحملن ما يحتجن إليه لإعداد الطعام وقضاء يوم كامل من الدعاء والفرح واللقاء. وهكذا كانت القعدة شاهدة على قدرة النساء المغربيات على صنع البهجة من أشياء بسيطة، دون حاجة إلى وسائل كثيرة أو مظاهر كبيرة.
ثقافة سادت ثم بادت: عن الفرح والوافد الجديد
مع مرور الزمن، بدأت هذه العادات تتراجع. دخلت أنماط جديدة من العيش، واختفت كثير من الطقوس الجماعية التي كانت تمنح الحياة اليومية معنى خاصا. كما ظهرت أفكار متشددة نظرت إلى الغناء والرقص الشعبي نظرة سلبية، فساهمت في إضعاف هذه الثقافة المحلية.
وهكذا تراجعت القعدة من المشهد، ليس فقط كأداة مادية، بل أيضا كرمز لزمن كان الفرح فيه قريبا من الناس. وحلت محلها أدوات حديثة، لكن شيئاً من روح الجماعة القديمة إختفى معها.
دلالة القعدة في علم الإجتماع الثقافي
تكشف لنا القعدة أن الأشياء البسيطة قد تحمل معاني كبيرة. فهي ليست مجرد وعاء معدني، بل رمز لعلاقة المجتمع المغربي بالعمل والفرح والتعاون. ومن خلالها نفهم أن السعادة لم تكن دائما مرتبطة بالمال أو الرفاه، بل كانت مرتبطة بقدرة الناس على تحويل اليومي إلى إحتفال.
لهذا تبقى القعدة جزءا من الذاكرة الثقافية المغربية، لأنها تذكرنا بزمن إستطاع فيه الناس أن يصنعوا الفرح من المعدن والماء والصوت والجماعة. وإذا غابت القعدة عن الإستعمال، فإن معناها لا يزال حاضرا في الوجدان.
15/03/26 ألمانيا
