عطاء الحياة

عطاء الحياة

   تأملات في حكمة الطريق الخفي

عتبة مدخلية: 
الحياة ليست مجرد سلسلة من الأحداث المتتابعة، ولا طريقا مستقيما كما نتخيله في كل البدايات، ولا هي خريطة واضحة المعالم يمكن للإنسان أن يسير فيها وفق ما يشتهيه، انها أشبه ما تكون بنهر واسع تتداخل فيه التيارات الخفية مع ما يبدو على السطح. وهي في حقيقة أمرها مدرسة صامتة تُعَلِّمُنا بطرائق لا نتوقعها. فما نظنه أحيانا خسارة قد يتحول الى  بوابة للفهم، وما نحسبه مصادفة قد يكون بداية معنى.
 في سنوات العمر الأولى نظن أن إرادتنا قد تكون كافية للاسهام في صياغة مصائرنا، وأن الطرق التي نختارها ستقودنا بالضرورة الى ما نريد. لكن الزمن يبقى هو المعلم الأكثر صبرا، الحريص على أن يعلمنا كل الاشياء المختلفة، بدءا من أن الحياة لا تسير على مقاس رغباتنا، ومع ذلك فهي كثيرا ما تمنحنا مانحتاج اليه، حتى وان جاء ذلك عبر طرق لم نكن نتوقعها. ووصولا الى الأبواب التي تمنينا أن تفتح في وجوهنا، غير أنها تبقى مغلقة. ثم نكتشف بعد زمن معين، أن في إغلاقها ذاك رحمة خفية. وكم من طريق دخلناه مكرهين، فإذا بنا بعد سنوات نصادف فيه أو من خلاله ما لم نكن نحلم به.
لا تأتي هذه التوقفات لتفسير الحياة، بل هي محاولة للتأمل في بعض دروسها الصامتة التي تنكشف لنا مع مرور الزمن وتوالي السنين. انها تأملات في تلك اللحظات التي تمنحنا فيها الحياة عطاياها الخفية:
* في باب يُغلق ليقودنا الى باب اخر.
* في لقاء عابر يصبح ذا معنى دائم.
* في تجربة قاسية تفتح أمامنا أفقا جديدا للفهم.
ومن هنا يصبح السؤال الطبيعي الذي يفرض علينا نفسه، محددا في :【 كيف يتعلم الإنسان هذه الحكمة ؟ وكيف يكتشف أن الحياة لا تسير دائما وفق مانرغب ؟ 】.
وتبقى الاجابة عن ذلك وغيره من الأسئلة، لا تأتي دفعة واحدة. بل تكتشف عبر التجربة ، وعبر اللحظات التي يكتشف فيها الانسان أن الطريق الذي رسمه لنفسه لم يكن هو الطريق الذي اختارته له الحياة. ومن هنا تبدأ أول دروس هذا التأمل.
أولا :  حين لا تسير الحياة على مقاس رغباتنا  
مع كل بداية ، يعتقد الانسان أن الحياة يمكن أن تتشكل وفق رغباته، وأن الطريق الذي اختاره سيقوده بالضرورة إلى تحقيق ما يتمناه . ويميل الى الاعتقاد بأن الارادة وحدها كافية لصياغة المصير، وأن العالم الخارجي ليس سوى مساحة لتحقيق ما تم التخطيط له. غير أنه سرعان ما تكشف السنوات أن الحياة ليست بهذه البساطة.
فالطرق التي رسمناها في أذهاننا قد تتغير فجأة ، والأبواب التي طرقناها بكل اصرار قد تبقى موصدة ، بينما تنفتح أبواب أخرى لم نكن نفكر في طرقها أصلا . وفي تلك اللحظة يشعر الانسان بالحيرة وربما حتى بالخسارة ، لأن النفس البشرية تميل الى ربط الأمل بالباب الذي هو أمامها . فاذا أغلق ذاك الباب بدا الطريق كله وكأنه انتهى، لكن التجربة تُعَلِّم أن مانراه تعثرا قد يكون تصحيحا لمسار لم نكن نرى نهايته . وأن الحياة لا تعاكس الانسان لتخذله ، بل أحيانا لتقوده نحو أفق أوسع وفضاء أرحب.
وكم كن باب سعينا جاهدين الى فتحه بكل ما أوتينا من رغبة وجهد ، ثم أغلق في وجوهنا ؟ وكم من فرصة ظننا أن ضياعها خسارة ، فاذا بنا – بعد سنوات – نكتشف أن في ذلك الضياع رحمة خفية .
ومع مرور الزمن ، يبدأ الإنسان في فهم أن كثيرا من الأشياء التي لم تتحقق كانت جزءا من ترتيب خفي لمسار آخر . وهنا تحضرني قولة: “جبران خليل جبران” 【 ان بعض الحرمان هدية خفية 】
ولعل الأشياء التي لا نحصل عليها أحيانا هي التي تفتح أمامنا أبوابا لم نكن نراها والانسان الحكيم هو لا ييأس ولا يستكين وهو الذي يتزود بالأمال العريضة  – على الدوام – في تحقيق كل ما يتمناه .
 –  يتبع  –
عنقا الادريسي المختار
طنجة في 14- 3 – 2026

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *