حكايا الصمت

حكايا الصمت

الصمت كرامة أخلاقية

عتبات كلامية :

*  بعد أن خُضْنا مغامرة “حكايا الصمت” عبر المرور من بواباتها السابقة ، وبعد أن اكتشفنا أنه ليس حيادا بسيطا ، بل موقفا مركبا تتداخل فيه النوايا بالنتائج ، والقيم بالحسابات . يجذر بنا في هذه المحطة الأخيرة ، القول :
ان صَمَتْنا حفاظا على نقاء الفكرة، فيجب أن نسأل، هل صُنَّاها أم عزلناها ؟
وان تكلمنا دفاعا عن المبدأ، وجب أن نسأل، هل خدمناه أم لوَّثناه بردود فعل متعجلة ؟
من هنا يتبدّى لنا أن الصمت قبل أن يكون موقفا، فهو تربية للأنفس قبل كل شيء.
*  في عالمنا – الذي نعيش تناقضاته –  يعلو الصخب … الضجيج ، فيختلط الحق بالدعاية ، والمعلومة بالشائعة ، والمبدأ بالمصلحة ، فيصبح الصمت مساحة لاعادة ترتيب الداخل قبل التدخل في الخارج ،  ويمثل أرفع أشكال الوفاء للحقيقة التى نتوخاها  .
1- الكلمة حين تكثر قد تفقد وزنها
لم يعد الصمت اليوم مجرد خيار شخصي في تدبير الانفعال ، بل صار موقفا أخلاقيا في عالم يضج بالأصوات ، فيكاد  الضجيج أن يحل محل التفكير ، ليصبح موقفا أخلاقيا قبل أن يكون مجرد امتناع عن الكلام . فليس كل سكوت ضعفا ، كما أن ليس كل كلام شجاعة. فالصمت قد يكون في بعض اللحظات تعبيرا عن كرامة داخلية ترفض الانخراط في خطاب فقد توازنه، أو في جدل لا يبحث عن الحقيقة بقدر مايسعى للانتصار في سياق يتميز بالاضطرب  حيث تتداخل الحقائق بالدعايات ، وتتحول الماسي الانسانية الى مادة للمزايدات أو الاستقطاب ، فيكون الصمت شكلا من أشكال الاحترام للمعنى ذاته .
 ولعل الكلمة حين تقال في غير موضعها قد تبتذل القضية عوض أن تنصفها ، وكأنها  تزيد الحطب في نيران الضجيج ، بدل أن تسهم في اخماده وتقريب فهمه . وترفع من وثيرة تسارع الأحكام وتضارب القرارات  وتضخم الخطابات . فيقف الصمت كوقفة نفسٍ عميقة في صدر عالم يلهث بشعارات قد تطول أو تقصر تبعا لمصدرها .
2- الصمت أرفع أشكال الوفاء للحقيقة
في زمن الاستقطاب الحاد والمضطرب ،  يتم دفع الأفراد دفعا الى الاصطفاف الفوري ، للالتحاق بدروب الصمت – بشكل حتمي –  فيأخد شكلا متميزا من أشكال المقاومة الهادئة. لأنه – والحالة هذه – ليس هروبا من المسؤولية بل هو رفض للانخراط في لغة مشحونة بالغضب، أو في معارك رمزية تُفرغ القيم من عمقها. فيغدو امتناعا عن تحويل المأساة الى مادة للتراشق، أو اختزال للمبدأ في منشور عابر. فالصمت الأخلاقي ليس فراغا في القول أو غياب عنه، بل هو امتلاء بالمعنى وامتناع عن الانحدار بالكلمة الى مستوى المهاترة، ورفضٌ قاطعٌ لأن تتحول القضايا الكبرى الى مادة للتراشق أو للمزايدة .وحين تضيق اللغة بما يقال باسمها ، يصير الصمت شكلا من أشكال الوفاء للحقيقة نفسها .
3- يبقى الصمت حارسا لكرامة الكلمة
لقد علمنا التراث الفلسفي أن الفضيلة تقوم على التوازن ، وهو ما أشار اليه ” أرسطو ” حين اعتبر أن الحكمة تكمن في تجنّب الافراط والتفريط معا . ومن هذا المنظور يمكن فهم الصمت الأخلاقي بوصفه امتناعا عن الانحراف وراء ردود الفعل السريعة . وحرصا على أن تبقى الكلمة مسؤولة عن معناها ومحافظة على كرامتها ، فيحول دون استهلاكها في سوق الضجيج المتزايد في هذا الزمن المشحون . على أن لا يفهم الصمت بأنه انسحاب من المعنى ، بل هو حراسة أمينة له وصائن لكرامة كلماته . وهو صمت واع  يختار
اللحظة المناسبة للكلام . انه صمت يرفض الابتذال ، لكنه لا يتخلى عن الاستعداد للشهادة حين يصبح الكلام واجبا حتميا . وعندئد يصبح الكلام مقاومة هادئة وصيانة للمعنى ، وتذكير بأن الكرامة لا تقاس بعلو الصوت ، بل بصدق الموقف .
خاتمة تأملية
وأنا أنهي حكايا الصمت عبر بواباتها الستة – المنشورة تباعا – أجدني ملزما بالقول :
*  الصمت ليس دائما فراغا في القول، بل قد يكون امتلاءً بالمعنى.
*  حين يضج العالم بالكلمات ، يصبح  الصمت أحيانا أرفع درجات الكرامة.
*  ليست الكرامة في كثرة مانقول، بل في قدرتنا على أن نصون الكلمة بالصمت حين يبتذلها الضجيج .
المختار عنقا الادريسي
طنجة . المملكة المغربية

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *