المرأة العربية..

المرأة العربية..
شبكة النبأ المعلوماتية

 إشكالية “التقاعد” واستمرارية الأدوار الاجتماعية

     د. محمد جستي

تُعدّ قضية عمل المرأة العربية من القضايا المركزية في دراسات الجندر والتنمية الاجتماعية، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتشكّل واقعاً معقداً لدور المرأة داخل الأسرة وسوق العمل. وعلى الرغم من التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، ما زال مفهوم “التقاعد” بالنسبة للمرأة يختلف جذرياً عن نظيره لدى الرجل. فالمرأة العربية، حتى بعد تقاعدها من العمل المأجور، تستمر في أداء أدوارها المنزلية والرعائية، مما يجعل فكرة التقاعد لديها أقرب إلى التحول في طبيعة العمل لا إلى التوقف عنه.
في الوقت الذي ينتظر فيه كثيرون سنّ التقاعد بوصفه محطة للراحة بعد سنوات من العمل، تبقى المرأة العربية خارج هذا الحساب الزمني. فهي قد تتقاعد من الوظيفة الرسمية، لكنها نادرًا ما تتقاعد من مسؤوليات البيت والرعاية، وكأن يومها المهني ينتهي ليبدأ دوامٌ آخر غير مدفوع الأجر.
وفق تقارير منظمة العمل الدولية، تؤدي النساء عالميًا أضعاف ما يؤديه الرجال من أعمال الرعاية غير المدفوعة، وتزداد الفجوة في مجتمعات عديدة حيث يُنظر إلى العمل المنزلي بوصفه واجبًا طبيعيًا لا يستحق الأجر أو الاعتراف. في العالم العربي، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح: المرأة موظفة، وأم، وممرضة، ومدبرة منزل، ومستشارة نفسية للأسرة… في آنٍ واحد.

يشير مفهوم الاعتراف الجماعي لدى المرأة، إلى الأنشطة المنزلية والرعائية التي لا تُحتسب ضمن الناتج القومي، رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية. فالمرأة العربية تضطلع بمهام التربية، ورعاية كبار السن، وإدارة شؤون المنزل، وهي أدوار غالباً ما تُعدّ “طبيعية” أو “فطرية” في الخطاب الثقافي السائد.
وبحسب تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية، فإن النساء في المنطقة العربية يقضين أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال في الأعمال المنزلية غير المدفوعة. هذه المعطيات تبرز فجوة واضحة بين العمل المعترف به رسمياً والعمل الفعلي الذي تقوم به النساء.

إذ يرتبط التقاعد في الإطار القانوني بانتهاء الخدمة الوظيفية والحصول على معاش تقاعدي. غير أن هذا التعريف يظل قاصراً عند تطبيقه على واقع المرأة العربية. فحتى بعد بلوغ سن التقاعد، تستمر المرأة في أداء وظائفها الأسرية، بل قد تتضاعف مسؤولياتها من خلال رعاية الأحفاد أو أفراد الأسرة المرضى.
وفي هذا السياق، تبرز مقاربة النوع الاجتماعي التي تؤكد أن تقسيم العمل داخل الأسرة ليس مسألة بيولوجية، بل نتاج بناء اجتماعي وثقافي يعيد إنتاج ذاته عبر الأجيال. وبالتالي، فإن “عدم تقاعد” المرأة يعكس استمرارية هذا البناء الاجتماعي.

إن استمرار الأدوار المنزلية بعد التقاعد الوظيفي يتأتى عنه آثار اجتماعية ونفسية، قد تؤدي إلى إرهاق جسدي وضغط نفسي، خاصة في ظل غياب سياسات داعمة لتقاسم الأعباء أو توفير خدمات رعاية مؤسسية. كما أن غياب الاعتراف الرمزي بقيمة العمل المنزلي يساهم في تقليل تقدير الذات لدى بعض النساء، ويحدّ من شعورهن بالاستحقاق للراحة أو التفرغ لذواتهن.

فالقول بأن المرأة العربية “لا تتقاعد” يعكس حقيقة اجتماعية تتجاوز المعنى القانوني للتقاعد، إذ يكشف عن استمرارية الأدوار الرعائية والمنزلية بوصفها جزءاً من البناء الثقافي والاجتماعي. وعليه، فإن معالجة هذه الإشكالية تتطلب سياسات شمولية تعترف بقيمة العمل غير المأجور، وتعمل على إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتعزيز ثقافة المساواة بين الجنسين. إن تحقيق العدالة الاجتماعية في هذا السياق لا يقتصر على تمكين المرأة من العمل، بل يمتد إلى ضمان حقها في الراحة والاعتراف والتقدير عبر مختلف مراحل حياتها.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com