دفتر الشتاء ..
ما لا تقوله الكلمات … ويقوله المعنى.

في نهاية هذا الدفتر الشتوي، لا أصل الى أي خلاصة حاسمة، ولا حتى الى جواب نهائي. وأكتفي بالوصول إلى قدر أوضح من السكينة، وإلى قناعة هادئة بأن ما لم أقله، كان في الكثير من الأحيان أصدق مما قيل.
لم يكن الصمت الممتد عبر كل تلك الصفحات، موضوعا للتأمل فحسب، بل طريقا شائكا اليه. طريقا كشف لي أن المعنى لا يستخرج بالقوة، ولا ينتزع من التجربة انتزاعا، بل يظهر جليا حين نكُفُّ عن ملاحقته عبر دروب الكلمة المغموسة في مداد المحبة الصادقة والتأمل المُتَروي. بعد أن علمتني السنين أن العبور لا يكون دائما إلى الأمام، ولا يعني تحقيق تراكمات مستمرة، وقد يكون أحيانا عبورا متزنا إلى الدواخل، أو تحققا مما زاد عن الحاجة للتخلص منه، أو تصالحا متأخرا مع ما كان، ومع من كنّاه في بهاء الصمت بتلاوينه…
تعلمت أن أُصْغِي للذاكرة حتى وهي متعبة، دون أن أُسْكِنها، وأن أقترب من الاخرين دون أن أستنفدهم، وأن أرافق الزمن دون أن أطارده.
تعلمت أن بعض المعاني لا تحتاج إلى اعلان، وأن بعض القيم تُحفظ أكثر حين نعيشها، لا حين ندافع عنها بلا توقف.
ومنه أخلص إلى أن هذا الدفتر ليس اعترافا ولا وصية، ولا جرد حساب، ولا تصفية حساب. انه مجرد محاولة أكون فيها ومعها ومن خلالها أكثر وفاء لما تعلمته متأخرا
– للأسف الشديد – : أن الصمت حين يُخْتَار بكل وعي وتجرد، يصبح شكلا راقيا من الحكمة، وطريقة انسانية لمواصلة المسير، في دروب الامان والطمأنينة بخفة وامتنان.
وإذ أنتهي الى صفحة قد تكون الأخيرة من هذا الدفتر، أدرك أن ما تبقّى لن يقال كله. وسيظل جزء من معناه وحمولته معلقا بين الصمت والانصات، وهذا في حد ذاته طمأنينة كافية وجواز مرور لما تبقى من مسافات العبور.
يناير 2026
