مَعهدُ صُروح يُكرّم محمد بوهلال

مَعهدُ صُروح يُكرّم محمد بوهلال

الندوة التكريمية كانت احتفاء، وفعل اعتراف إنساني وثقافي

        إدريس الواغيش

احتضنت المديرية الجهوية للثقافة بفاس، مساء  السبت 31 يناير 2025، حفلا تكريميًّا وندوة علمية وفكرية، احتفاء بتجربة أعطت الشيء الكثير للإعلام الوطني والجهوي، اختتمها بوهلال بإصدار مجموعة من الرّوايات، تختال بين سير- ذاتي واجتماعي.

اختار المنظمون للندوة “تجليات الإبداع في سيرة ومسَار الأديب والإعلامي محمد بوهلال” شعارا.
كانت  الندوة فرصة للإبحار في مسارات محمد بوهلال الإبداعية، السياسية، الإعلامية والحقوقية. مسيرة متنوعة وغنية إبداعيًّا وإعلاميًّا، تجاوز عُمرها الخمسة عقود. تأسّست في  مجملها على احترام القيَم المغربية الأصيلة في أسمى تجلياتها الأدبية والإعلامية، وأيضًا في شمولية أبعادها المغربية الحياتية والإنسانية الكونية. لم يكن الاحتفاء بمحمد بوهلال مُجرّد لحظة احتفالية عابرة، ولكنها كانت فعلا ثقافيًّا ومُمارسة إنسانية في رمزيّتها العميقة، بُغية استعادة ذاكرة ثقافية وإعلامية وإبداعية في معناها النبيل. هذه الندوة التكريمية شارك فيها سياسيون، إعلاميون، نقاد وشعراء. يتعلق الأمر بالأساتذة والدكاترة: جواد شفيق، إدريس الواغيش، محمد حدّاد، نبيلة حماني، عبد السلام الزّروالي الحايكي، أحمد بلخيري، محمد السعيدي وحميد تهنية. وحضرها: فنانون، صحافيون وإعلاميّون، مبدعون وأساتذة جامعيون من مدينة فاس وخارجها.
في هذه الندوة الاحتفالية التكريمية تتبّع المشاركون كل في تخصُّصه مسارات بوهلال الإنسانية، الإعلامية، الإبداعية والسياسية. مسارٌ لم يتشكل صدفة وعلى عجل، مثل المسارات المُتسرّعة عادة، ولكنه تشكل بصبر وتأنّ على مهل. رَاكم فيه بوهلال تجربة غنيّة في مسار طريق طويل بالعمل والصبر، والتشبث بالقيم المغربية الأصيلة في فاس التي لا تقل عراقة وأصالة. ولم يكن هذا الاحتفاء بهرجة شكليًّة، ولكنه لحظة اعتراف ثقافي وإعلامي حقيقي، طغت فيه الحميمية والصدق والوفاء. استعاد فيها المتدخلون سيرة بوهلال الروائي والإعلامي بوصفها نبراسًا وضّاءً، ونصا أدبيًّا مفتوحًا على النقد والتأمّل، وهذا المسار تشكّل على مدى أكثر سبعين سنة، وهو جزء من تاريخ المدينة، سواء إبّان أواخر الاستعمار أو ما بعد الاستقلال. كان بوهلال، في كل ذلك، شاهدًا على عصر أمكنة وأزمنة. سايرَها الرّجل عن طريق الصحافة والالتزام بمواعد ثقافية عرفتها المدينة، وما عرفته من صراعات سياسية في أوج تشكلاتها. ليس في فاس وحدها، ولكن في المغرب كله.
افتتحت الحفل التكريمي رئيسة معهد صروح الشاعرة نبيلة حمّاني بكلمة ترحيبية وشاعرية مؤثرة، ألقتها في حق المُكرّم والمُحتفى به، اتّسمت بصدقها الإنساني وعمقها وشاعريّتها. استمع الحضور، الكمّي والنوعي، بعد ذلك، إلى شريط وثائقي حول المسار الإعلامي والإبداعي للأستاذ محمد بوهلال، وهو أحد قيدومي الصحافة بفاس والمغرب، مُشكّلا بذلك عتبة وجدانية أعادت تركيب ذاكرة بوهلال الإعلامي والروائي، مُستحضرة محطات بارزة في مسار لم يُبن على الصُّدفة، بل على التدرُّج الجاد في العمل والإيمان بالكلمة الصادقة في الإعلام كما الأدب. كما قدم الأستاذ عبد السلام الزوالي شهادة صادقة ومُكثفة في نفس الآن، وهو الذي جايل بوهلال في دروب فاس البالي وحاراته وأزقته الموغلة في التاريخ والضيق، مُلخّصًا جوهر شخصية المحتفى به في عبارة بسيطة وصادقة، مفادها أن الصحافة ليست مهنة فقط، بقدر ما هي التزام أخلاقيّ، وموقف وطنيّ، وإيمان بأن الكلمة مسؤوليّة، وأنّ الوطنية مُمارسة يومية لا شعارات عابرة.
الناقد إدريس الواغيش مهّد لمُداخلته في الندوة، بحيثيات معرفته الأولى بالمُحتفى به محمد بوهلال منتصف التسعينات، ثم عرّج بعد ذلك على تجربتهما الإعلامية المشتركة كمراسلين في جريدة: “الاتحاد الاشتراكي”، ثم العمل في صحيفة “صدى فاس” الجهوية الذي كان يديرها بوهلال. هذا التداخل بين ما هو شخصي، إعلامي وأدبي، منح المُداخلة حميمية خاصّة. انتقل الناقد الواغيش بعد ذلك إلى قراءة بوهلال روائيًّا، متوقّفًا عند روايته البكر «في الضفّة الأخرى»، باعتبارها نصًّا يُؤسّس لكتابة تاريخية عميقة، تناول فيها مدينة فاس ودروبها وتاريخها على شاكلة ما فعله الرّوائي عبد الكريم غلاب في رائعته: “دفنّا الماضي”. وذكّر أنّ مثل هذه الكتابة الروائية لا تنتمي إلى التأريخ الأكاديمي الجامد، ولكن إلى سرد ذاكرة مدينة عرفت أحداثًا جسامًا في زمني الاستعمار وما بعد الاستقلال معًا.
الأحداث في هذه الرواية تستعيد التفاصيل المنسية في حارات فاس ودروبها، وهي التي تتشكل منها روح مدينة فاس وجوهرها الحقيقي. كما ركز الواغيش في مُداخلته النقدية على كتابات بوهلال الرّوائية الثلاث، وهي في أغلبها أقرب إلى سيَر ذاتية للمُؤلف، يختزلُ فيها الكثير من المسافات التي تطول حينًا وتقصرُ في أخرى، في سياق أزمنة وأمكنة كثيرة ومتنوّعة على شاكلة مرايَا مُقعّـرَة أو عاكسة للأحداث، تختزل حالات إنسانية مُنفلتة من عُقالها، جمع فيها المؤلف بين الشيء ونقيضه: الطيش والاتزان، الكُره والحُبّ، الصحافة، ومسارًا طويلا في العمل النقابي، الإعلامي، السياسي والحُقوقي.
في هذا العمل الروائي، يضيف الواغيش، سنعيش مع الكاتب محمد بوهلال عدة حَـيَوَات في حياة واحدة، ونتعرّف على تجربة غنية طبعت مسار الشاب “عزيز” الذي اختاره الكاتب أن يكون ساردًا ومسرودًا له في نفس الوقت. رواية سيرة ذاتية، يمكن للمتلقي والقارئ، أن ينتقل فيها من الخاص إلى العام، وأن يوظف فيها المُشترك من الأحداث مع الرّوائيّ. وفي هذه الرواية بصم المؤلف على طابعه الخاص في الكتابة الرّوائية، لأنه متمرّس عليها منذ سنوات، وأبان فيها الروائيّ عن أسلوبه السهل المُمتنع والغير مُتعالي، أسلوبٌ نصّي صريح في متناول جميع القرّاء على اختلاف مُستوياتهم، لأنه لا يحمِّله فلسفة يريد من خلالها إرباك القارئ.
كان بوهلال روائيًّا مُتميّزًا، من حيث كونه يحمّل روايته صورًا مُدهشة ورائعة، ووقائع أخرى سياسية واجتماعية تناقضها، ولكن من دون لفّ أو دوَران ومُخاتلة. يروي بوهلال الأحداث عن طريق سارده عزيز، بصفته شخصية في الرّواية وساردًا في الوقت نفسه. الرواية كتبها المؤلف بوهلال بصدق وشفافية، ودون تزييف ولا مُغالاة في الحَكي، ولم يرُم فيها مُطلقًا إلى المُناورة في الحَكي أو خداع المتلقي. واختتم الناقد الواغيش مداخلته بالقول أن شخصية عزيز في هذا الرواية، الذي هو الكاتب والرّاوي، اضطلعت بوظيفتين رئيستين تسيران في خطين متوازيين: وظيفة الكتابة ووظيفة السّرد.
أحمد بلخيري اختار «بين الصحافة والتاريخ» عنوانًا لمُداخلته، لخّص فيها موقع بوهلال المُهم داخل الحقل الإعلامي وطنيًّا وجهويًّا، سواء داخل جريدة “المُحرّر” وبعد ذلك في جريدتي “الاتحاد الاشتراكي” الوطنية أو” صدى فاس” الوطنية التي كان يُدريها. مُبرزًا كيف كان ناجحًا في التوفيق بين آنية الخبر وعُمق الرُّؤية، وكيف كان يجعل من المقال الصحفي وثيقة دالة على مرحلة وسياق. محمد السعيدي تغيّب لظرف طارئ، وجاء مداخلته على شكل رسالة، قرأتها الأستاذة نبيلة حماني بالنيابة عنه، تناول فيها الناقد سرديات الرّوائي المُحتفى به، ووقف عند مفهوم «الواقعيّة المَحفوظة» التي تأثر بها الرّوائي بوهلال، وهذه الواقعية لا تنقل الواقع كما هو، إنّما تُعيد صياغته بشكل أدبي وروائي، وتحفظ كرامته الإنسانية داخل النص. الإعلامي عزيز باكوش ناب عنه غيابه، وألقت مداخلته أمينة المجدوب، وخُصّصت لقراءة في رواية «أحلامٌ مُنكسرة»، تمّ الوقوف فيها عند الأبعاد النفسية والاجتماعية في الرواية، وكيف اشتغل بوهلال على الهشاشة الاجتماعية والأحلام المُؤجّلة بلغة هادئة، ولكنها في نفس الوقت مشحونة برُموز ودلالات. تخللت هذه المداخلات استراحة غنائية قدّمها الشاعر والفنان حميد التهنية، شكلت فسحة جمالية لذيذة، أعادت التوازن بين الفكر والاعتراف.
وبعد ذلك، فُتح المَجال لشهادات إنسانية منحت الندوة دفئًا إنسانيًّا جميلًا ورفيعًا، تقدّم بها في حق المحتفى جواد شفيق، وتحدث فيها عن علاقته بالمحتفى به، والاشتغال إلى جانبه حين كان يشقّ طريقه في الشبيبة الاتحادية، قبل أن يُصبح كاتبًا جهويًّا لحزب “الاتحاد الاشتراكي” عن جهة فاس مكناس، وكيف استطاع بوهلال الى يحوّل إلى جانب الفنّانة التشكيلية خديجة طنانة، مدينة فاس إلى ورش ثقافي مفتوح من خلال تنظيم عدّة أنشطة، مواعيد ومهرجانات ثقافية، مُستعرضًا مسار بوهلال المناضل السياسي، النقابي والصحافي، مُبرزًا كيف حاول بوهلال التوفيق بين النضال السياسي، العمل الصحافي، والفعل النقابي والحقوقي دون أن يتنازل عن خطه الإنساني والأخلاقي.
شهادة الأستاذ محمد حدّاد استعرض فيها مسيرة بوهلال المُعلم، المناضل الاتحادي، والمُنتخب جماعي المهتم بالشأن الثقافي في المدينة، ثم المراسل الصحفي لجريدة “المحرر” ثم “الاتحاد الاشتراكي” بعد ذلك، مُبرزًا خصاله الإنسانية ودوره الفعّال داخل المجلس الجهوي لحقوق الإنسان. أما المناضل السياسي والكاتب والفنان التشكيلي عبد الرحمان الغندور، فقد استعرض من جهته عبر قدراته الخطابية ولغته المَشرقية المُبهرة خصال محمد بوهلال الإنسان، والمسؤول الذي أدّى مهامه بأمانة واستقامة، دون بحث عن امتياز أو عرفان. واختتمت هذه الشهادات بشهادة أخرى، تقدّم بها المفتش التربوي محمد الكوزي، الذي استعرض تجربته كمعلم أحبّ مهنته وأتقنها بشغف، وجعل من التعليم رسالة. واختتم اللقاء بكلمة مؤثرة للمحتفى به محمد بوهلال، تحدث فيها عن دور الثقافة، وأهمية الاحتفاء بالمثقفين، وهم أحياء وليسوا موتى، مُعبّرًا في ذات الوقت عن شكره لأعضاء معهد صروح للثقافة والإبداع، في شخص الأستاذ عبد السلام الزوالي والشاعرة نبيلة حمّاني، على ما يبذلونه من جهود صادقة في خدمة الثقافة بمدينة فاس.
الندوة التكريمية كانت احتفاء، وفعل اعتراف إنساني وثقافي. وكذلك درس في الوفاء لذاكرة فاس، أكدت أن محمد بوهلال ليس مُجرّد اسم عابر في سجّل الصحافة والرّواية، ولكنه تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، وأن تكريمه هو تكريم قيَم الالتزام بمبادئ النزاهة، ومحبّة كل الناس الشرفاء. الوقت لم يكن يسمح بتقديم شهادات عرفان أخرى، أصرّ سياسيون معروفون بالمدينة، شعراء وإعلاميون على تقديمها في حق المحتفى به، ولكن إصرار عبد السلام الزروالي مندوب الاتصال سابقًا في فاس والعيون كان أقوى، واختتم الجلسة بشُكر جميع من غاب ومن حضر.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com