قراءة نقدية للناقد محمد ياسين خليل القطعاني
القصيدة تمثل دفقة شعورية صادقة بلا تزيين..
بعد نشر قصيدتي “يا… أنت. “توصلت ألوان بدراسة نقدية قيمة من الناقد والكاتب المصري محمد ياسين القطعاني، ننشرها لقراء ومبدعي العالم الثقافي مع كل الشكر والتقدير لكل من تجاوب مع القصيدة، مما يحمسني ويدفعني للإفصاح عن كتاباتي المركونة…لكم جميعا مودتي وكل التقدير.
زهرة منون ناصر
*******************
قراءة نقدية : “يا… أنت“: للشاعرة المغربية – الكندية : زهرة منون ناصر
الإبداع حالة انفعالية تأملية تخطف عقل المبدع، وتأسر وجدانه، فينفصل عن العالم حوله، ثم يبوح بعدها بما يخفيه عقله، ويخبئه وجدانه.
إنه الإلهام الذي يجعل الشاعرة تفيض قريحتها بالفكرة مغلفة بالكلمة، ومرسومة بالصورة، حينئذٍ تولد القصيدة التي تلمس وجدان المتلقي، وتحث عقله على التفكر والتأمل، فيشاركها ما كانت فيه، وما أصبحت عليه.
سوف نتناول قصيدة ( يا… أنتَ!) للشاعرة المغربية الكندية: زهرة منون ناصر من خلال بعض أدوات النقد اللغوي والنفسي ، ويفاجئنا العنوان : ( يا أنت)، تستخدم الشاعرة أداة النداء ( يا) ، وهي لنداء البعيد في أغلب الأحايين، وقد يكون المنادى في حالة بعد مادي من حيث المكان، أو بعد روحي من حيث المشاعر، ويبدو في حالة الشاعرة أنه أصبح بعيداُ من حيث الإحساسات لحالة الغضب التي تلبثت الشاعرة منه.
حتى عندما تخاطبه تنادي عليه وكأنه نكرة :( أنت) ، رغم أنّ الضمير ( أنت) من أعرف المعارف كما ذكر ذلك العلامة ابن مالك في ألفيته ، لكنها بذلك تقلل من شأنه، خاصةً إذا تخيلنا أنها تناديه بنبرة صوت مشحونة بالتقليل من شأنه مع إشارة باليد تصاحب نغمة صوتها، ويذكرنا ذلك ببيت الشاعر الحطيئة الذي قال فيه مخاطباً الزبرقان بن بدر أحد وجهاء بني تميم ومن فرسانها وسادتها، كما أنه من الصحابة المخضرمين:
دع المكارم لا ترحل لِبُغْيتِها
واقعدْ فإنكَ ( أنتَ) الطاعمُ الكاسي
فقد تصاحب تقليل شأن المخاطب بقوله (أنت) مع نبرة الصوت وجو( البيت) في القصيدة، والبيت ذم للزبرقان وليس مدحاً، فالحطيئة يقصد أنّ الزبرقان هو المطعوم المكسو، فجاء اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول.
تُتْبِع الشاعرة النداء بتذكير من تناديه بأنه: ( في خضم الموج تعوم) ، وكأنها حذفت الفعل ( كنتَ) من بداية الجملة السابقة ، أيام أن كان يخوض المخاطر من أجلها، لكنه تغير، فتعيد النداء عليه، وكأننا بها ترفع صوتها غضباً واحتقاراً فتقول:
يا… أنتَ
الصيف ما عاد صيفاً
والسماء مليئة بالغيوم
تذكره بأنها (هي) أيضاً تغيرت عقاباً له، فالصيف الذي تعودا على اللهو فيه معاً في عطلتهما، ما عاد صيفاً كما كان، وهنا نلحظ (التناص) مع المثل الشهير ” الصيف ضيعتِ اللبن ” ويضرب لمن يفرط في نعمة كانت بين يديه، ثم يندم عليها ، تعود القصة إلى امرأة كانت زوجة لشيخ ثري وكريم ، فطلبت الطلاق منه لكبر سنه، وتزوجت شاباً فقيراً ، ودارتّ عليهما الأيام، وضاقت بهما الحياة، فذهبتْ تطلب مِنالذي كان زوجها اّلأول اللبن في فصل الشتاء ، فقال لها ” الصيف ضيعتِ اللبن ” مُشيراً بذلك إلى أنها أضاعته لمّا كانت الفرصة متاحة لها في الصيف .
وتعاود الشاعرة( قهر) الذي تخاطبه قائلةً:
يا …أنتً
سافر إلى دنيا الأشواق
بها ترتاح
وربما تتعلم سر العوم
في محيطات الألغاز
واّلألغام
وهنا تستخدم الشاعرة فعل الأمر ( سافر) ، وتحدد له وجهة السفر( دنيا الأشواق) والنتيجة ( بها ترتاح) ، في هذا الجو النفسي المفعم بالغضب لجأت الشاعرة إلى الكلمات المتداولة اليومية، لكنها صاغتها في سلاسة تتوافق مع الجو النفسي للموقف، فالحالة لا تتحمل الكلمات المعجمية، والصور المركبة المنحوتة .
وما زالت الشاعرة تذكره بما كان منه ذات ليالٍ مضت ، فتقول:
يا… أنت
تهتف الليالي ببوحك
وأصغي للأحلام
تردد على مسامعي
أنشودة حب
معلق بين قارتين
بين بحرين
بين الماضي والحاضر!
هنا لجأت الشاعرة إلى الصورة البيانية التي هي عِوَض عن الكثير من الكلمات فتصرخ ( تهتف الليالي ببوحك) حيث شبهت الليالي بإنسان يهتف ويتحدث ويتذكر، كما شبهت الأحلام بإنسان يتكلم وهي تنصت له، وتزداد المأساة… فقصة الحب معلقة بين أرضين شاسعتين متفرقتين، وبحرين متباعدين ، وفوق كل ذلك ماضٍ شاهد على حبيب غادر، وحاضر شاهد على حبيب فاجر.
لذلك لابد من النهاية :
بين الماضي والحاضر
بين قصيدة
كنتَ أنت بحرها
وكانت تلك التي…
ملهمة القصيدة
“البتراء”….
استخدمت الشاعرة التضاد وهي تذكره بما كان منه في الماضي ( الماضي ـ الحاضر) ،وشبهت الحبيب الذي كان حبيباً ب (القصيدة) على سبيل التشبيه البليغ؛ لتدلل على علو مكانته في قلبها، وهنا تبكي الشاعرة نفسها، فهي كانت تلك التي ( أحبتك ـ صدقتك ـ البتراء).
هذه القصيدة رغم بساطتها إلا أنّ بساطتها تلك مكمن تفردها ، فهي تمثل دفقة شعورية صادقة بلا تزيين، أو تجميل، لذلك تظل في ذهن القارئ ؛ لأنه يشعر بشعور الشاعرة، ويتألم لألمها، وهذا يمنحها الواقعية والمصداقية .
هي تجربة شعرية صاغتها الشاعرة بلغة سهلة، لكنها فصيحة، وأخيلة مألوفة، لكنها معبرة، وإحساسات متنوعة، لكنها مفعمة .
محمد ياسين خليل القطعاني
