حين يسكننا الفراغ
حنين متقد…
【 هذه وقفة تأملية تصغى لما خلّفه بيت الأسرة حين غاب الأهل ، وتتحدث عن الفراغ لا بوصفه غيابا فقط ، بل بوصفه امتلاءً ، حضورا من نوع موجع 】 .
تمر السنين سريعة وتترك آثارها جلية فينا ، بعد أن انغلقت بوابة منزلنا المتواجد بحي الرميلة/ عين الشق ، لا بصوت المفاتيح وحدها، بل بصمت ثقيل يشبه ختم الزمن على صفحة مكتملة . أغلقت بوابة البيت بعد أن غادر الأحبة إلى العلياء تباعا، بدءا من الوالد …الوالدة… ثم آخر العنقود من الإخوة… رحمهم الله جميعا، وجعل مثواهم نورا وسكينة وأسكنهم فسيح الجنان .
منذ ذلك العهد لم يعد ذاك الفضاء بيتا بالمعنى المتداول، بل صار أثرا عَمَّه السكون. لا سكون الطمأنينة، بل سكون ما بعد الرحيل، فخيم الصمت الذي لا يخلو من همسٍ خفيٍّ، ولا من ارتداد أصوات قديمة لا يسمعها إلا من عاشها أو عايشها . فالفراغ الذي استوطن بيت الأسرة ليس فراغ الجدران بل فراغ الوجوه التاريخية. فالغرف لازالت كما هي، لكنها بلا نظرات وحتى الأبواب لازالت قابعة في أماكنها، لكنها بلا طَرْق مألوف، شاهدة على فراغ مهول. أما النوافذ فهي دوما تطل على الزقاق نفسه، غير أن العيون التي كانت تستقبل نسمات الصباح من خلالها لم يعد لها وجود، فصار الضوء معها يتيما، يدخل ولا يجد من يبادله التحية أو الحياة .
منذ ذلك العهد لم يكن البيت مجرد مأوى عائلي متواضع، بل كان في زمن مبكر من بداية سبعينيات القرن الماضي، ” زاوية فكرية ” نضالية بكل ما تحمله الكلمة من معاني ودلالات قيمية. فضاء فيه كان تَجَمَّعْنا ونحن – آنذاك – تلاميذ بقسم البكالوريا، نحمل أسئلة المرحلة وقلق البدايات وحلم التغيير الذي كان أكبر من أعمارنا. فضمنا رفقة بعض الأصدقاء والصديقات، يوم كنا شبابا في مقتبل العمر، نؤمن بأن العالم قابل لأن يعاد ترتيبه بالكلمة … النقاش … المحبة… الصفاء … الاختلاف النبيل . ومما كان يزيد لقاءاتنا نضجا ورُقِيًّا ومتعة وعمقا ، تلك السهرات التي كانت تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل،نرتشف فيها كؤوس الشاي وفناجين القهوة التي كانت تُعِدُّها بحنان متزايد المرحومة والدتي والتي لم تكن ربة بيت ، بقدر ما كانت أُمًّا للجميع ، وهي السابقة لعصرها بشكل لافت للانتباه ، فاتحة بيتها وقلبها لٍلًمِّ كل ” رواد الزاوية”واحتضان اختلافاتنا ، قلقنا ، أسئلتنا .. طموحنا اللامحدود ، دون أي خوف أو تردد ، كأنها كانت تدرك بحس الأمهات
أن ما يجري بين جدران البيت ليس عبثا بل هو في عمقه تمارين أولية على الكرامة وقيم المواطنة والالتزام وتحمل المسؤوليات ، فكانت-المرحومة تشاركنا طروحاتنا بابتسامتها الصافية وبساطتها المعهودة ، طيبوبتها المفتقدة،كرمها الحاتمي .
في ذلك البيت المقفر تتحول الذكريات التي نسجناها جميعا إلى صمت مطبق ، معه تأتي الوحشة … فأتخيلني أفتح الباب لأتسلل، وأجلس في البهو بانتظار الإبتسامة المفتقدة وتلك الأسئلة المؤجلة … الوجع الذي يُذَكِّر بأن هذا البيت كان ذات يوم عامرا بالصفاء ، المحبة ، الإخاء … غذا اليوم موحشا إلا من ذكريات منقوشة في القلب والذاكرة . نقوشا لا يمحوها الإغلاق أوتبعدها الهجرة ، ولا يطالها غبار السنين . فكلما مررت باستحياء قربه – لأني لم أدخله منذ أن انتقل أخي الصغير المرحوم رشيد إلى عفو الله ورحمته – أكتشف أن الأحبة لم يغادروه تماما،وإنما غيروا طرق تواجدهم وحضورهم . ليبقى ذاك الفراغ ليس عدما خالصا.
وإنما امتلاءً من نوع آخر ، سرعان ما يتحول من وحشة قاتلة إلى شاهد صامت على حياة عشناها كاملة ، وعلى حب لم يكن عابرا . وحين تعود بي الذاكرة إلى ذاك البيت ، فإني لا أستحضر الجدران بقدر ما تحضرني الأرواح التي عمرته ذات زمن قد ولى وتأسرني الأحلام التي به مرت ثم انطفأت .
انه حنين لا يطلب العودة بقدر ما يأسف على فقدان اللحظات التي التقت فيها الأسرة والرفقة والنضال في بيت واحد … قبل أن يحكم الفقد والفراغ بإغلاق بوابته . وفي هذا الشاهد يكمن عزاء خفي يؤكد على أن من رحلوا وان غابوا عن الأعين ، فقد استوطنوا المكان الأعمق … حيث لا أبواب تغلق ، ولا بيوت تُقْفَر في انتظار ما ستحمله أيام وأحداث السنة الميلادية الجديدة .
المختار عنقا الادريسي
طنجة . المملكة المغربية
