كنت العلو الذي يمنع الانهيار، وكانت الاتزان الذي يمنع السقوط…

كنت العلو الذي يمنع الانهيار، وكانت الاتزان الذي يمنع السقوط…
AI Photo

أمي كما أتذكرها

أمي الحبيبة…

أكتب إليك من جهة لا ترى، من ذلك الركن الذي يفيض بالصمت حين يفرغ البيت من خطاك، ويضيق القلب حتى يتسع لذكراك وحدها. أكتب لأن الغياب لا يقنعني أنه نهاية، ولأن إسمي لا يستقيم في فمي منذ رحلت، إلا إذا مر قبله اسمك… كأني ما زلت ابنك على باب العالم، أتعثر في الحياة، فأبحث عن يدك لأتوازن.

تعلمين يا أمي أنني أحيانا في لحظة صفاء ممزوجة بالوحدة أصنع لنفسي رسالة حب. لا حبا للتدلل، ولا هربا من الناس، بل كمن يسكب ماء في قلب عطش كي لا يتشقق. أكتب لنفسي كما لو أن داخلي شخص آخر، غريب قريب، يتخفى في هيئة غياب، فأغدقه بالشوق، وأستره بضمائر المحبة، وأقول له: “أنا كاف لك… لا تسلم نفسك للخذلان.”

ثم وأنت أدرى—أقرأ تلك الرسالة كأنها ليست مني، كأنها تسللت من قلب أعرفه ولا أعرفه. أعيدها مرارا، فأبتسم مرة، وأتنهد أخرى، وفي مرات نادرة أبكي… لا بكاء منكسرا، بل دمعة تشبه الاعتراف: أن الإنسان قد ينجو حين يتصالح مع ذاته، ويكف عن انتظار النجاة من الخارج.

ولكني اليوم يا أمي… لا أكتب لنفسي.
اليوم أتذكر أن أول من علمني هذا النوع من النجاة كنتِ أنت، دون أن تسميه فلسفة ولا “انعكاسا ذاتيا”. كنتِ تفعلينه ببساطة الأمهات: حين كنت تلتقطينني من تعثري بنظرة، وتضمدين هشاشتي بكلمة، وتعيدين ترتيبي كأني نص عزيز لا يجوز أن يبعثره الزمن. كنت أنت الرسالة التي كانت تصلني قبل أن أتعلم البريد، واليد التي كانت تمسك قلبي حين يتيه.

أمي…
أفتقدك افتقادا لا يشبه الحنين العابر، بل يشبه نقص عضو من الروح. أفتقد صوتك حين يناديني باسمي فينقلب الاسم إلى حضن. أفتقد دعاءك الذي كان يسبق خوفي بخطوة، كأنه حارس غير مرئي. أفتقد طمأنينة كانت تولد في البيت لمجرد أنك فيه… والان صرت أتعلم أن أصنع الطمأنينة بيدي، بصعوبة الذين كبروا فجأة.

أعرف أن الموت أخذ جسدك، لكنه لم يأخذ أثرك. أنت هنا في تفاصيل لا تموت: في صبري حين يثقل، في حناني حين يفيض، في قدرتي على أن أصفح كي لا تتسخ روحي. إذا كنت اليوم أستطيع أن أكتب لنفسي رسالةَ حب فأقرأها وأبكي، فذلك لأنك من بعيد بعيد
ما زلتِ تهمسين لي: “لا تكن جلاد نفسك… كن عاشقها.”

دوستويفسكي قال إن أعظم اعتراف هو ما نقوله لأنفسنا بصوت خافت حين لا يرانا أحد… وأنا أقول لك اليوم بصوتٍ خافتٍ أيضا:
لقد اشتقت لكِ يا أمي.
واشتقت لطفل كان يطمئن لأن العالم، مهما قسا، فيه أم.

سامحيني إن قصرت يوما، إن ضجرت، إن لم أفهم بعض تعبكِ إلا بعد رحيلك. سامحيني لأنني لم أكن أعرف أن “لاحقا” قد لا يأتي. وأقسم لك أنني أحاول أن أكون امتدادا يليق بك: أن أكون ألين، أصدق، وأقل قسوة على نفسي وعلى الناس… كأني أرد لك الجميل متأخرا، في شكل حياة أفضل.

أمي…
إن كانت رسائلي لنفسي جسورا أعبر بها من ضفة الكسر إلى ضفة الإدراك، فأنت الجسر الأول. وإن كانت الوحدة تعلمني أن أقول لذاتي “أنا كاف لك”، فأنت من علمني قبل كل شيء أن الحب لا يستجدى، وأن الكفاية ليست كبرياء، بل كرامة تُنقذ الإنسان من الضياع.

نامي مطمئنة…
سأحمل اسمكِ في دعائي كما كنت تحملين اسمي.
وسأترك لك مكانا دائما في قلبي، لا يملؤه أحد…
لأن بعض الغياب لا يعالج، بل يعاش بوفاء.

ابنكِ
الذي ما زال يفتش عنك في الضوء،
ويجدك—كل مرة فيه.

حين اكتمل الغياب

أبي…

أكتب إليك من موضع لا يقاس بالسنين، بل بما تبقى من المعنى. من النقطة التي يصبح فيها الكلام واجبا أخلاقيا لا حنينا، وشهادة لا محاولة عزاء. أكتب لأن بعض الأخبار لا يجوز أن تترك للصدفة، ولأن بيني وبينك عهدا قديما: أن لا أترك الأثر بلا صوت.

أبي…
أمي وصلت إليك هذا العام.
لم تأتها النهاية فجأة، بل جاءت كما كانت تأتي كل ما يخصها: في موعده، بلا استعجال ولا فوضى. مشت نحو اكتمالها بنفس الخطى التي مشت بها في الحياة؛ هادئة، محكمة، كأنها تعرف أن البقاء ليس معيار المعنى، وأن الرحيل قد يكون شكله الأخير. لم تحدث ضجيجا وهي تعبر، ولم تلتفت خلفها. أنهت ما كان عليها، وسلمت المشهد كما يسلم الحكماء عصا الطريق.

منذ غيابها، تغير وزن الأشياء.
البيت ما زال قائما، لكنه فقد ضرورته الداخلية. الجدران في أماكنها، غير أن القلب غائب. الأيام تمضي بلا شاهد، كأنها لا تحتاج إلى إذن بعد الآن. صرت أفتح النوافذ لا طلبا للهواء، بل بحثا عن تلك الطمأنينة التي كانت تملأ المكان دون أن ترى.

لم تكن أمي حضورا عاطفيا فحسب؛
كانت بنية خفية للمعنى.
كانت تعرف كيف تعيد ترتيب الإنسان من داخله، دون أدوات، دون خطب. كانت تقنع الخوف أن ينتظر دوره، وتعلم الألم حدوده. بوجودها، لم تكن النجاة موضوعا للفهم، بل وضعا افتراضيا للحياة.

برحيلها، فهمت ما لم أفهمه يوم غيابك.
فهمت أن الفقد لا يقاس بعدد الراحلين، بل بمواقعهم في البناء. أنت كنت العلو الذي يمنع الانهيار، وهي كانت الاتزان الذي يمنع السقوط. حين غبت أولا، بقيت هي أرضا صالحة للوقوف… حتى قررت أن تعود إلى حيث بدأتما معا، وتترك العالم بلا سقف ولا أرض.

الآن فقط أقف في العراء الكامل.
لا ما أستند إليه من فوق، ولا ما يمسك خطوتي من تحت. ومع ذلك، ظل السقوط مؤجلا. كأنكما، من غير وصايا ولا خطب، غرستما في قدرة خفية على الوقوف وسط الفراغ، وعلى الاحتمال دون ادعاء بطولة.

أتصور لقاءكما الآن
لا بوصفه فرحا، بل بوصفه إنصافا متأخرا للتعب. نظرة واحدة تغني عن السؤال، وابتسامة صامتة تقول إن الحمل وضع أخيرا. أتصوركما في جهة لا يمتحن فيها الصبر، ولا يستنزف فيها القلب، جهة يستعيد فيها الإنسان خفته الأولى، بلا خوف ولا انتظار.

أما أنا يا أبي…
فأتعلم العيش من جديد، لا من الكتب، بل من الأثر الذي تركتماه في داخلي. أتعلم أن أكون أهدأ، لأنكما لم تكونا صاخبين. أصدق، لأنكما لم تعرفا التمثيل. وأرحم بنفسي، لأن القسوة لم تكن يوما لغتكما، ولا وسيلتكما في التربية.

لا أكتب إليك طلبا للعزاء،
بل لأضع شهادة في سجل الغياب:
أن المرأة التي سارت معك حتى التعب، لم يذهب جهدها سدى. وأن الابن الذي تركتماه خلفكما، ما زال يحاول أن يكون امتدادا يليق بما زرعتماه، لا ظلا باهتا له، ولا نسخة ناقصة.

إن سألت عنها،
فقل لها إنني أفتقدها كما يفتقد الاتجاه في ليل بلا نجوم.
وإن سألت عني،
فقل لها إنني تغيرت، نعم،
لكنني لم أضع…
لأن من تعلم المعنى على أيديكم
قد يكسر،
ولا يمحى.

ولكما معا، حيث يهدأ التعب أخيرا،
سكون يشبه السلام،
واتساع لا يحتاج إلى تفسير.

ابنك
الذي لا يمشي جسدا،
بل أثرا…
ويحاول أن لا يخون الأثر.

منير لكماني – 31/12/25

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com