الكتابة…
هذه الكتابة… هذه الورطة
“المثقف” عنصر من جملة عناصر كونية، تاريخية، لها حضور في الحاضر المشهود الممتد إلى ماض معلوم، وإلى مستقبل مجهول.
“المثقف” فاعل، شاء أم أبى، فاعل في ذاته في أبسط الاحتمالات… فاعل في هذا العالم في أقصى الاحتمالات.
“المثقف” ، إما أن يكون، أو لا يكون.
يكون / يوجد… إن هو انخرط في فعل “التعبير” بوعي وإرادة وفق أهداف مرسومة.
لا يكون / لا يوجد… إن هو انساق، دون تحكم في مِقْوَدِه، مع تيار التعبيرات الجارية وراء البحث عن موقع ما… مشبوه بالضرورة، لينخرط في عملية إنتاج التفاهة والضحالة والسفاهة والرداءة.
بناء عليه… أعلن تورطي في قبول التصنيف مع أسرة المثقفات والمثقفين… فقط لأنني إنسان يُعبّر… يقول… وقد يصرخ… ولا يدعي — صدقا — أنه “مثقف”… فقط يقول: “أنا مسؤول”… ولن أسمح للرداءة باختراق كياني.
* الكتابة ورطتي اللذيذة… عبر مساربها تُعاد حياتي في عملية التشكل كل لحظة بوح… أتجدد، أتلون بألوان لم أتلون بها من قبل، أجد نفسي وقد صرت إنسانا آخر لم أكنه من قبل… ولم أخطط لأكونه.
الكتابة / الورطة تنتجني… تلدني… وأنا بريئ من فعلها.
ورطتي مسؤولية… بكل صدق، أحاول فهم ذاتي… فهم محيطي… فهم عالمي والكون، فقط… ولهذا وذاك لأنني مسؤول.
أنا مسؤول عن ذاتي… لا أريد أن أكون صورةَ ذاتٍ سابحة في مستنقعات الرداءة وتكريس واقع خائب على حد توصيف الدكتور عبد الله العروي.
أنا مسؤول عن دوري بين محيطي، وفي عالمي وهذا الكون.
* مبدئيا، الكتابةُ خَلْقٌ… قد تكون من باب الإبداع، إن هي جاءت على غير سابق مثال، وهي في هذا مغامَرة… وإن هي انصهرت في منظومة تعبير مؤسَّسة حاملةٍ معالمَها وتعبيراتِها النوعيةَ فهي بذاك انخراط ومشاركة وإضافة… وما بين الحدين مفاضلة.
* خصوصيا، أرى الكتابةَ موقفا من الذات والموضوع… بحثاً، وترسيخا لقيم معينة… قيمٍ آمنت بها، ومارستها… ولي فيها كبوات وأخطاء وتعثرات… وربما المناسب منها قليل… هي قيم العدل والحق والخير والجمال والإنسانية والتآخي…
لا أتوانى عن صفع هذا العالم، وصفع وجهي أولا، إن كانا رمزين للتحكم والقهر والظلم والإقصاء والتهميش وسحق كرامة الإنسان وخنقه والتضييق على أنفاسه وسحق كرامته…
الكتابة بالنسبة لي انخراط مسؤول في مواجهة كل أشكال الاستعباد والاستبداد والتمييز والعنف والعنصرية.
الكتابة بالنسبة لي واجهة نضال واجب… نضال ضد كل ما يكبل ذاتي من ذاتي أولا… وضد كل ما يكبل ذاتي بسلطته غير المشروعة.
هذا أنا… والكتابة… وفي نفسه شيء من كان، ويكون.
عبد الرحمن بوطيب/المغرب
