قصة قصيرة بقلم/ إنجي علوي شلتوت
مَاكياچ
تُعذّبها مُقلتاها، فكأنهما أصبحتا كالحَجر الخفاف، جفَّت الدّموع في عينيها مما زادَ الوَضع إيلاماً، ملمس وجهها يابسٌ كأرضٍ جدباء تتعطّش لشربةِ ماء، مقيَّدةٌ في ظلمات وراء ظلمات، يؤلمها رأسها المُتخم بالمغنى والصّخب، لا تعرف تحديداً… أهذه دموع سوداء تتسرّب من عينيها أم قطرات من دمّ؟ تحرقها عيناها وتصبحان حمراوتين، وكأنهما جمرتان من قاعِ الجحيم.
وخزّ مؤلمٌ أسفل إبطيها وحول رقبتها، تشعر بأنها ترتدي ثوباً من الأشواك، جسدها يختنق، وكأنها في حالة تيبّس تامّة تعوقها عن الهَرب أو التصرّف.
مُقيدة الحركة، هناك ثقل شديدٌ يَجذبها من خصلات شعرها، فأصاب مَوضع الجَذب بتنميلٍ في فروة الرأس، ولا تستطيع مدّ إحدى ذراعيها لإزالة هذا الثّقل المزعج عن خصلاتها.
بدأ وجهها الشاحب في التشقّق، وأخذ يتساقط كقطع رخاميةٍ مكسورة، أصبحت بلا وجه، لا تملك إلّا عينين حجريتين لا تقويان على النّظر، وجسد لا يَنعم بلحظةِ راحة؛ من جرّاء وَخز الأشواك.
في الصّباح التالي، فتحت عينيها بصعوبةٍ بالغة عندما احتلّ ضوء الشّمس غرفتها، وبعد ليلةٍ مُضطربة لم تَذق فيها طعمَ الرّاحة، وجدت نفسها ما زالت تلبس ذلك الثوب البراق الذي ارتدته أمس لحضورِ حفلٍ غنائيّ، وهو ثوبٌ مرصّع بالأحجار الملوّنة والخَرز البرَّاق، والذي كان يؤرّقها من أسفل إبطيها وحول رقبتها؛ جرّاء احتكاك تلك الأحجار ببشرتها.
تتحسّس رأسها فتخلع عن شعرها حِليةً معدنيةً مُزينة قد وضعتها إبَّان تَصفيفه، والتي بدورها أصابتها بآلامِ حادّة بفروة رأسها حيث مَوضعِ النّوم.
تنظر في المرآة، تجد سواداً قد احتلّ عينيها النّصف مغلقتين، فالكُحل الذي وَضعته لتحديد عينيها قد ذابَ داخلهما، مسبباَ لها وخزاً مزعجاً واحمراراً في مُقلتيها.
تشعر بالنّدم على عدم تغيير ثوبها الذي جَعلها تعاني أثناء نومها، وعلى عدم إزالة مساحيق التّجميل من على وَجهها قبل النّوم، واتخذت عهداً بألا تضع هذه الحلية المعدنّية على رأسها مرّة أخرى، حيث آلمتها طوال الحفل ولم تجعلها تهنأ بنومها في سلام.
عزمتْ من بعد تلك اللّيلة؛ أن تحطّم قيوداً لطالما فَرضتها على نفسها، وأدركتْ أنَّه ليس في الوجود من شيءٍ أعظم من الحريّة.
