السلطة والاقتصاد

السلطة والاقتصاد

العلاقة بين السلطة والاقتصاد في إعاقة التنمية….

          د. محمد جيستي

يُعد تخلف الشعوب من القضايا المركزية في دراسات التنمية والاقتصاد السياسي، إذ لا يمكن تفسيره بعوامل اقتصادية بحتة أو ثقافية مجردة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين السلطة السياسية والبنية الاقتصادية والاجتماعية. فالاقتصاد السياسي يوفّر إطارًا تحليليًا لفهم كيفية توظيف السلطة في إدارة الموارد، وكيف تؤثر القرارات السياسية في توجيه النشاط الاقتصادي بما يخدم فئات محددة على حساب المصلحة العامة. من هنا، تبرز أهمية دراسة الاقتصاد السياسي كمدخل أساسي لفهم أسباب تخلف الشعوب واستمرار الفجوة التنموية بينها وبين الدول المتقدمة.

يشير الاقتصاد السياسي إلى الدراسة العلمية للعلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والسلطة السياسية، وكيفية توزيع الموارد والثروة في المجتمع. وقد تطور هذا المفهوم منذ كتابات آدم سميث وكارل ماركس وصولًا إلى المدارس المعاصرة التي تربط الاقتصاد بالسياق المؤسسي والاجتماعي. ويؤكد هذا الحقل المعرفي أن القرارات الاقتصادية ليست محايدة، بل تتأثر بموازين القوى السياسية والاجتماعية.

فيُقصد بتخلف الشعوب حالة العجز البنيوي عن تحقيق التنمية المستدامة، ويتجلى ذلك في ضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدني مستوى التعليم والخدمات الصحية. وقد تعددت المقاربات النظرية لتفسير التخلف، من بينها:
نظرية التحديث، التي تربطه بتأخر البنى التقليدية.
نظرية التبعية، التي تفسر بعلاقات الاستغلال بين المركز والأطراف.
المقاربة البنيوية، التي تركز على اختلال الهياكل الاقتصادية والمؤسساتية الداخلية.

حيث تلعب السلطة السياسية في العديد من الدول النامية دورًا محوريًا في إدامة التخلف، من خلال:
احتكار القرار الاقتصادي من قبل نخب ضيقة.
انتشار الفساد والمحسوبية.
توجيه الموارد العامة لخدمة المصالح الخاصة.
إضعاف المؤسسات الرقابية والتشريعية.
وتؤدي هذه الممارسات إلى تعطيل آليات السوق العادلة، وإقصاء فئات واسعة من المجتمع عن المشاركة الاقتصادية الفاعلة.

لهذا أصبح الاقتصاد الريعي من أبرز مظاهر الاختلال في الاقتصاد السياسي للدول المتخلفة، حيث تعتمد الدولة على عوائد غير إنتاجية مثل النفط أو المساعدات الخارجية. ويؤدي هذا النمط الاقتصادي إلى:
إضعاف القطاعات الإنتاجية.
تعزيز تبعية الدولة للخارج.
تكريس العلاقة الزبائنية بين السلطة والمجتمع.
تقليص الحوافز نحو الابتكار والعمل.

ما ينعكس عليه الآثار السلبية لتخلف الاقتصاد السياسي على البنية الاجتماعية من خلال:
اتساع الفجوة الطبقية.
تهميش الفئات الضعيفة.
ضعف الحراك الاجتماعي.
تصاعد الاحتجاجات وعدم الاستقرار السياسي.
وهذه النتائج بدورها تعيد إنتاج التخلف في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون إصلاحات جذرية.

لأن تخلف الشعوب ليس ظاهرة طبيعية أو حتمية، بل هو نتيجة مباشرة لبنية اقتصاد سياسي مختلة، تتحكم فيها نخب سياسية واقتصادية تسعى إلى الحفاظ على مصالحها. ويؤكد البحث أن تحقيق التنمية يتطلب إعادة هيكلة العلاقة بين السلطة والاقتصاد، وبناء مؤسسات ديمقراطية شفافة، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية في صنع القرار الاقتصادي.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com