قصة قصيرة للكاتب المصري محمد ياسين خليل القطعاني

قصة قصيرة للكاتب المصري محمد ياسين خليل القطعاني

( رَجَب العُمْدة )

على مقاعدِ الدراسة المُهْتَرِئة عرفته، ضحكتُه عالية مُجَلْجِلة مُنسابة، تترددُ في الهواء الطلق، فتتوالد منها عدةُ ضحكات لطيفات، تلتفتْ بعنقك مُتعجلاً؛ لتعرفَ مصدر الضحكة، لمّا تقعْ عيناك عليه تنطلق منك ضحكةٌ رنانة، تتوالد منها ضحكات أخريات.

مُندهشاً تنظرُ إليه، فيشيحُ بوجهه عنكَ، كأنكَ لا شيء، أنتَ غيرُ ذي بالٍ، يغادرك مُطوحاً يديه في الفراغ، كَمَنْ يَهِشُّ شيئاً يدنو منه، مرةً يدفعه بكفه مُتحاشياً، وأخرى يلاعبه مُلاطفاً .

يظلُّ يُحرك كفيه بأشكال دائرية في وجه مَنْ ينظر إليه، يكاد إصبعه السبابة الغليظ  المُمتد أنْ يفقأ إحدى عيني مُناظرِه، هو لا يَفطنُ لعلةِ نظراتهم التي تطول، لا يشغل تفكيره في العلل، فيطلق ضحكته الولود، ويوليهم ظهره، يدفع إحدى قدميه الطويلتين إلى الأمام، يتبعها بالأخرى كأنّه يُحصي أشياء مُتناثرة على الأرض لايراها إلا هو.

سرعان ما يهرول مُبتعداً تلقاءَ وجهه، إلى المجهول الذي  يعلمه وحده، لا تزال ضحكاته تُسمع من بعيد، رويداً رويداُ تضعف حتّى تتلاشى.

يظل الصّبيةُ يتبعونه من بعيد حريصين على عدم الاقتراب منه، فلطمةٌ واحدة من كفه كفيلةٌ بإرسال أحدهم إلى حيث لا إياب.

يتضاحكون بأصوات مَكتومة بوضع أكفهم الضئيلة على أفواههم، يتفرقون أشتاتاً بعدما يغيب عن عيونهم، وداخل كل واحد منهم أسئلة عديدة  تصرخ، ولا تجد إجابات، أكثرها اقناعاً لأنفسهم أنّه ارتوى من ماء النّهر لحظة نوم المياه منتصف الليل،  فأكسبته ( عِرق الصبا) ، فلا تفسير لديهم لما يرونه إلا ذاك كما يسمعون من أهل القرية.

بلغ الخامسةَ عشرةَ من عمره، لكنّ بنيته الجسدية وقوته تفوقان سِنّي عمره، لا يُشْبه أقرانه في شيء، ملامح وجهه مُلفتة، أشقر الشعر، بشرته بيضاء تُخالطها حُمرة، عيناه خضراوان لامعان، حاجباه كثيفان هلاليان، أنفه طويل مُستقيم، تحته فمٌ عظيمُ الشفتين، أسفله ذقنٌ مُدببة كأنّها نَصْلُ خنجر.

يبرز من ملابسه البالية غالباُ ساعدان مَفتولان، كتفاه عريضتان مكتنزتان، كفُّ يده ضخم، تنبتُ منه أصابعُ طويلة سميكة، انتشلَ به ذات صباح جذع شجرة أغلق علينا الطريق إلى المدرسة، سحبه على الأرض، وألقاه جانباً كأنه ورقة شجرة غادرتْ غُصنها في ليلة خريفية، واستمرّ في طريقه دون إبداء أي علامات الاعتزاز بالنفس، أو انتظار نظرات الاعجاب، نرمقه  في ذهول، وكلٌّ منا تحدثه نفسه بأشياء وأشياء.

كنتُ أجلس بجواره في الطاولة الأولى في الفصل، جسمي ضئيل مُقارنةً به كأنني نقطة ماء سقطت من هامته الضخمة ، اختارني بجواره؛ لأكونَ عقله الذي يستعيره حين يباغته المعلم بسؤال فأكون مُستغاثَه، وعند الامتحانات أكون نَجدته التي تكفيه مؤنة الجهل، وخجل اليأس،  كنتُ استقوي به على أترابي الذين دوماً يشاغبونني حقداً وحسداً؛ لتفوقي الدراسي عليهم .

تلاميذ الفصل اشتكوا من ضخامة جسمه الذي يحجب رؤيتهم السبورة، فنقلوه إلى آخر طاولة في الفصل، فنظرَ إليّ بعينين مُنْكسرتين مُستغيثاُ؛ لأكون في جواره، لبيتُ رجاءه، صحبته حيث جلس، لمعتْ عيناه، انطلقتْ ضحكته تتردد في أرجاء الفصل حتى شعرنا أنّ الزجاج المتبقى سليماً سوف يتحطم من نغماتها المُقلقلة.

في اليوم التالي عثرنا على قطة بيضاء كثيفة الشعر بعينين خضراوين تختبئ في أحد أركان الفصل، تسللت إليه عبر الزجاج المكسور هرباً من البرودة القارصة خارجه، بدأنا نطاردها بين المقاعد والطاولات وهي تموء مواء المتوجعة، وتكافح في الهرب من ضرباتِ أيدينا، وركلات أرجلنا، كلما اقتربتْ من الزجاج المكسور؛ لتفلت منه حجبها أحد التلاميذ، وحال بينها وبين النجاة بنفسها.

فجأة وقف أمامها كأنّه حائط، لم تستطع تجاوزه، تسمرتْ مكانها، نظرتْ إليه، وهزت ذيلها تستعطفه، نظرَ إليها، علتْ ضحكته، طمأنها أنّه مُنجّيها، على غِرّةٍ ركلها أحد التلاميذ، فارتعبتْ، وحاولت الهرب، اقتنصها بكفيه؛ ليحميها من مطاردتهم، ازدادَ هلعها، أخذتْ تتملص من قبضته، أحكمَ كفيه عليها، خرجَ بها إلى فناء المدرسة؛ ليطلقها حيثُ المراح، التلاميذ حوله يجذبونها من ذيلها مرة، ومن شواربها مرة، كلما رأى خوفها نهرهم، القطة تنظر في عينيه مُسترحمةً، التلاميذ ينتفون شعرها، أحكم كفيه عليها؛ ليكفيها عبثهم.

أخيراً استكانتْ بين كفيه بعد أنْ عنّف التلاميذ وأبعدهم، تحت جذع شجرة سطحها على الأرض، بسطها بهدوء، ظلت مستلقية، لم تهرب، لم تتحرك، داعبَ شعرها بأصابعه، ظلتْ ساكنة ، قلّبها ذات اليمين وذات الشمال، جلس بجوارها على الأرض، وضعها على فخذِه لعلها تنتعش من دفء جسمه.

لاتزال ساكنة، يلامس أنفها، يفتح جفني عينيها بأنامله مُترفقاُ، عيناها مثل لون عينيه، لا تستجيب، شعر بالقلق، سألها مُتعجباُ:

– منذ لحظات كنتِ تنظرين إليّ حتى أنقذك، فما بكِ لا تنظرين إليّ؟

 جاءه صوتُ أحدِ التلاميذ من خلفه:

 – لقد  نفقت القطة يا رجب.

صدمته كلمة الموت، لم يصدق، ارتجف جسمه، اهتزتْ أوصاله، أمسك القطة بأطراف أصابعه، يحركها بلطف، ثم بشدة، حملها من تحت إبطيها، رفعها لأعلى، يهدهدها ،لا تستجيب، يتحسس أنفاسها، لا تشعر يده بسخونة  تنبعث من أنفها، صرخ فيها وهو يُمسد قلبها :

 –  لا ( تموتي) ، انظري إليّ ، أنتِ في أمان الآن.

انهمرتْ دموعه على وجنتيه، ارتعشت يداه، ارتجّ جسمه بعنف، غمره العرق، علا نحيبه، يقف، ثم يجلس، يحملها، ثم يضعها على الأرض، يفتح جفنيها بلين، ثم بشدة، يردد دونَ توقف :

– لماذا ( تموتين)؟

تلاميذ الفصل يتراصون حوله في صمتٍ مُتعجبين، كيف لهذا العملاق أنْ يبكي على قطة؟

بعد أيامٍ من رؤيتي مشهد  دموع (رجب) على نفوق القطة الذي انغرس في ذاكرتي غادرتُ مع أسرتي القرية إلى مدينة بعيدة، أبي  يصطحبنا من مدينة إلى أخرى لطبيعة عمله في أحد أجهزة الأمن التي تستدعي تنقلهم الدائم.

انقطعتْ أخبار صديقي رجب رقيق القلب خشن الجسم، وبعد سنوات طالت التقيتُ مُصادفةً أحد زملاء المدرسة، انتهزتها فرصة؛ لِتسَقّطَ أخبار الرفاق وخاصةً رجب، فأخبرني أنه استعاض عني برفقة زميلٍ كنا نسميه: (خميس السّلاية) لشبهه بسلاية جريدة النخلة في النحافة وشدة الإيذاء، وكنا نتجنبه لحدةِ نظراتهِ، ولخبثِ طويته، ولؤمِ طبعه، وطولِ يده، ونزوعِه لنهبِ ما يمتلكه غيرُه .

( خميس السّلاية) رغم ضآلة جسمه ودمامة هيئته إلا أنه استثمر ضخامةَ جسم رجب وقوته ووجاهته التي تمنحه لقب ( العمدة) في فرض الاتاوات على مقاولي المدن الجديدة بدعوى  حماية مواد البناء من السرقة، ولا مانع من اغتصاب بعض الأراضي وإعادة بيعها لأصحابها، وتأجير رجال ذوي عضلات منتفخة لأصحاب النفوذ لإنهاء بعض الخصومات بدلاً من اللجوء إلى القوانين التي تظل حبيسة أدراج المحاكم لسنوات تطول .

( رجب العمدة) أصبح أحد رجالات العالم الخفي، يستنهضه الضعيف، ويستأجره القوي، يخشاه الصغير، و يتجنبه الكبير، يحكون أنه علّق أحد رجال الأعمال الكبار على عامود الكهرباء في أرضه التي استعادها له؛ لأنه لم يمنحه ثلثها كما اتفق معه، كما يحكون أنه ينهار إذا رأى قطة ميتة، ولا يعرفون لذلك سبباً، فقد طالَ أمدُ قصته مع القطة، وتفرق رفاقُ الدراسة، ولا يعي تفسيرها إلا أنا وخميس السلاية.

علمتُ بعد سنواتٍ أُخر أنّ بعض الأشقياء قد استولوا على منزلنا الريفي وما يحيط به من أراضٍ لطول إغلاقه وتغيبنا عنه ، فتذكرتُ صديقي رجب، فليس لها إلا هو، فشددتُ الرحال إليه، والتقيتُه على مقهى ( ابن ياسين) حيث تتمّ مصالح العباد، عندما شاهدني، وعرفني رحّبَ بي ترحيبَ المُحب الذي طال شوقه لحبيبه، ولمّا أخبرته خبرَ اغتصاب منزلنا وأرضنا نادى خميس السلاية، وأسَرّ في أذنه بكلمات، وأعقبها بأمرٍ باتٍ مسموع :

– في الصباح يكون هؤلاء الملاعين مُعلقين على جذوع النخل، ويُسلم المنزل، وتُسلم الأرض ( للباشا)، وأشار إليّ بإصبعه السبابة الذي كنا نخشاه ونحن صغار.

اصطحبت معي هديةً له فاجأته بها، قطة بشعرٍ أبيض كثيف وعينين خضراوين شبيهة بالقطة التي نفقت بين كفيه بسبب رِعْدتها من التلاميذ، وقسوة البرد الذي أهْرَأها ،فانفرجتْ أساريره، وتوهجَ محياه، ولمعتْ عيناه، وأقبلَ عليها يحملها، ويهدهدها، وانطلقتْ ضحكتُه مُجَلجلةً مُنسابة تترددُ في الهواء الطلق، فتتوالدُ منها عِدةُ ضحكاتٍ لطيفاتٍ.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

لا تعليقات بعد على “قصة قصيرة للكاتب المصري محمد ياسين خليل القطعاني

  1. الشكر والتقدير للأديبة الصحافية الرائعة : زهرة منون ناصر ولهيئة التحرير والإدارة على هذه الجهود الطيبة لنشر الثقافة والأدب والفنون .

التعليقات مغلقة.