قراءة نقدية

قراءة نقدية

القصة رمزية

عن  قصة:” رَجَب العُمْدة ”  للأديب / محمد ياسين خليل القطعاني

    محمود طلبة الفار

مِن عتبةِ القصة وعنوانها يتبين أنها تدور حولَ سيرة شخصية محورية هي “رجب العمدة ” زميل الدراسة منذ الطفولة، ودائماً ما يكون أكثر من نخرجُ بهم في رحلة العمر هم أصدقاء الطفولة والدراسة، ونسير بالتوازي معاً، ويحدث كثيراً أنْ تتقاطع الخطوط المتوازية؛  لتجمعنا الظروف ومفارقات الحياة مرة أخرى أو مرات، أو يكون لهم دورٌ في حياتنا كما حدث في هذه القصة، التي يقصُّ فيها السارد العليم  طفولة أحد زملائه الذي تميز بقوة مُفْرطة، وهيكل جسماني قوي، وملامح تجعله مُهاباً بين أقرانه مُتفوقاً عليهم جسدياً.

الكاتب يغوص في أعماق شخصيته؛ ليبين لنا أنّ هذا المُهاب المُخيف يحمل قلباً عطوفاً حانياً بجعله يبكي عندما (تنفق) قطة حاول إنقاذها من ركلات زملائه في الفصل الدراسي .

نتأمل وصف الكاتب القدير لقوة شخصية رجب في مستهل قصته حيث يقول : “يكاد إصبعه السّبابة الغليظ الممتد أنْ يفقأ إحدى عيني مُناظِرِه ” ، ويؤكد على ذلك عندما يقول: ” يظلُ الصبيةُ يَتْبعونه من بعيد حريصين على عدم الاقتراب منه” .      إنّها مَهابة القوة التي يرمز إليها الكاتب من خلال شخصية رجب العمدة، بأسلوب سلس، وعبارات مُتشابكة الأيدي تنساب بتلقائية أخّاذة لا يتقنها إلا أديبٌ مُتميز، ولغويٌّ يعرف كيف يختار مفرداته التي تعبر بالضبط عما يريد أنْ يقول.

باقتدار يتناول الكاتب تطور الشخصية في مراحل عمرها، وهو تطور منطقي يتناسب مع الصورة التي رسمها، ونحتها  لهذه الشخصية في مراحل عمرها التي تحولت في نهاية المطاف إلى شخصية تعتمد على قوتها؛ لتنتزع ما تراه حقاً لها في الحياة.

ينتقل بنا الكاتب ببراعة إلى مرحلة نضج هذه الشخصية وتحولها الى ملاذ للضعفاء ومسلوبي الحقوق الذين لا يستطيعون استردادها بالقوة التي لا يملكونها، ولا بالقانون ذي الحبال الطويلة،( فللعمدة) قانونه الخاص الذى يختصر المسافات والوقت،( قانون القوة) التي تُمكنه من الإتيان بالخَصم وتعليقه على جذوع الأشجار.

تظهر لنا في هذه المرحلة الشخصية الثانية في القصة، شخصية  “خميس السّلاية ” ضئيل الجسم، دميم الهيئة الباحث بخبث عن قوة تُعوِّض ضعفه الجسماني لقاء تقديم الحيل التي يتفتقُ عنها عقله الخبيث، ومعه بدأ رجب العمدة في فرض الاتاوات على مقاولي المدن الجديدة، واغتصاب بعض قطع الأراضي، ثم إعادة بيعها لأصحابها، حتى صار مَقصداً للضعيف الذي لا يستطيع حماية ما يملك، وللقوي الذي يحتاج أنْ تدعمه قوة.

وعندما لجأ إليه السارد لاسترداد المنزل الريفي لأسرته الذي استولى بعض الأشقياء عليه، تمكن من استعادة المنزل لصديقه ، وتعليق اللصوص على جذوع النخيل, ورداً للجميل يهديه صديقة قطة بيضاء شبيهة بالتي( نفقتْ) في طفولته؛ لتنفرج أساريره، ويتوهج محياه، وتلمع عيناه ويحملها، ويهدهدها وتنساب ضحكته مُجلجلة في الهواء الطلق.

هنا نلاحظ قلقلة الحروف المستخدمة في كلمات، مثل:  (يهدهد، وتجلجل)، كأني بها تفصح عن ضحكات رجب عندما أعادته هدية صديقه السارد الى طفولته الأولى .

القصة من حيث رؤيتي هي قصة رمزية، حيث يرمز (رجب العمدة)  بوضوح الى القوة التي نحتاجها؛ لتُعين الحق، وتفرض مهابته، وتُقيم التوازن بين القوي والضعيف.

أمّا اللغة فهي تُناسب الموضوع، سهلة، سلسة، مُتدفقة كجدول ماء، وتتميز القصة بحبكة مُتقنة، لا تجعل الأحداث ولا مسار الشخصيات تفرُّ منك أثناء القراءة.

الكاتب لم يُمسك بالقلم، ويدون القصة الا بعد أنْ اكتملتْ في ذهنه، ونضجت الصورة الكاملة للشخصيات والأحداث، أمّا عن معالم وسمات الشخصيات فهي مُحددة بدقة ، واضحة،  كما أنَّ  تقنية السرد على لسان صديق العمدة مقصودة ؛ لينقل للقارئ  كل ما يتعلق بشخصية المحكي عنه.

في أثناء القراءة  كنتُ أتتبَّعُ بشغف مصير هذه الشخصية، وماذا سيفعل بها المؤلف في النهاية؛ لتأتي نهاية القصة في منتهى الذكاء؛ لتؤكد استمرار الحاجة الى القوة شريطة ألا تتخلى القوة عن النزعة الإنسانية، وتمثّلَ ذلك في مَشهديّة فرح العمدة بهدية صديقه، وهى تلك ( القطة البيضاء) ألأليفة التي  تذكره بما حدث في طفولته، وهي أيضاً دالة على عمق العلاقة ومدى استيعاب الصديق لشخصية صديقه الفتوة … الإنسان.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com