خريفية العمر…

خريفية العمر…

خواطر بين الفقد والتجدد.

اقتباس افتتاحي:

ما من إنسان يستطيع أن يبلغ فجر الصباح دون أن يمر بطريق الليلجبران خليل جبران

كلام لتقريب الفهم:
  المختار عنقا الادريسي

الحياة رحلة متقلبة بين النور والظل، بين الفقد واللقاء، بين الحلم والواقع …

ففي خريف العمر يصبح الإنسان أكثر وعيا مت ذي قبل، فكل لحظة تمر إلا وتحمل لنا في طياتها معنى وتجربة، وحتى وإن كانت مؤلمة فهي تحمل معها درسا لا يمكن للزمن أن يمحوه.
فسلسلة خريفية العمر ، ليست مجرد تأملات عابرة، بل هي رحلة داخلية إلى أعماق النفس، حيث يلتقي القلب بالعقل، الحزن بالنور،
الفقد بالتجدد، لتضحى كل ورقة / خاطرة من هذه المحطات، نافذة مشرعة على تجربة إنسانية مليئة بعبق الذكريات، صوت الصمت، نسيم الألم، لحظات الحلم ، نغمات الأمل ، لتصوغ في النهاية صورة أوسع للحياة كما تعاش بكل أبعادها الروحية والعاطفية والفكرية . تأتي لإيقاظ الوعي وليس للاخبار
عما يمكن أن أشعر به ، أنا ، أنتَ ، أنتِ ، أنتم جميعا . مع الدعوة لملاحظة ماتزخر به الدواخل وتحمله لمواجهة الخوف ، لتقدير الجمال ، وللاحتفاء بلحظات الصمت وبعد النظر والتأمل في اكتشاف معنى الحياة في أبسط صورها وأكثرها عمقا . وبالتالي فهي مرآة للنفس والنظر إلى الدواخل بصدق متناه وتصالح تام مع كل ما مضى وولى ، استعدادا لاستقبال ذاك آلات . فكل خاطرة منها تشكل محاولة جادة لإضاءة زاوية من زوايا الحياة وفهم خيوط المعنى التي تُحِيكُ من التجارب المعيشة ، رداءات الوعي وحب الحياة بكل تناقضاتها .
فمن الغروب الأول وحتى دقيقة الحلم الأخيرة ، ومن الريح التي تهب لتغير كل شيء ، حتى الألم الذي يتحول إلى معلم لمعنى الحياة . تغرد هذه الأوراق لتهمس لي ولكم ، بعيدا عن كل ضجيج مصطنع ، قائلة بأن
كل مافيها من فقد ، ألم ، فرح،
حزن ، تجدد … فهي تستحق التأمل والتروي والعيش الواعي والمتجدد على الدوام

الورقة الأولى :

بين الغروب والوميض…

في لحظات الغروب ، ينساب الضوء الأخير من بين أصابع المساء فيجعلنا نشعر وكأننا نقف عند تخوم الحياة … حيث تلتقي نهاية الأشياء مع بداياتها المخيفة . فتبدو الشمس وهي تميل نحو الأفق وكأنها تستأذن رواد مقهى ” الحافة ” بمدينة طنجة في الرحيل ، بين
تداخل وتكامل البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي ، معلنة عن الغياب اليومي ، فعندئد يدرك المتأمل بأن في عمق ذاك الرحيل يسكن وَعْدٌ بالعودة ، تماما كما يفعل الأمل في قلب أنهكه التعب ، الخسارات ،
الانتظارات ف【 مامضى قد مضى ، وما سيأتي سيأتي ، أما أنت فكن هنا في اللحظة 】- على حد تعبير جبران خليل جبران في ” دمعة وابتسامة “.
وأنا جالس أتأمل ذاك الغروب الذي أضحى أكثر من مشهد بصري، ليصير عندي حالة روحية، تَخف معها وعندها الأصوات، ويهدأ ضجيج الطموحات معلنا بداية الرحلة إلى عالم الدواخل، نحو الذاكرة، المخيال … نحو ما تبقى عندي من صدق وصفاء وبساطة. وأنا أحمل معي وميضا قد يخبو، لكنه لا ينطفىء… يمنحني القدرة على النهوض … التجدد، ويهبني الإبتسامة الدائمة رغم كل الهزات التي لا تُرى لأننا – وكما يقول “نيتشه ” في كتابه “هكذا تكلم زرادشت “:【 نحمل في أنفسنا فوضى كافية، لتلد نجمة راقصة】، عند حديثه عن الخلق والإبداع  وتجاوز الذات  بعيدا عن فهم الفوضى على أنها الاضطراب السلبي، لأنها عنده طاقة داخلية متفجرة، ورغبة كبيرة في التحرر من كل القيود. في حين ترمز النجمة الراقصة إلى الإنسان الأعلى الذي يتجاوز ذاته الضعيفة ليعيد خلق معنى / معاني للحياة، نحن في أمس الحاجة إليها. وعطفا على كل ذلك فسفينة الزمن بمختلف مساراتها وتقلباتها لا تأخذنا إلى الشيخوخة الجسدية، بل تنقلنا إلى النضج الوجودي الذي يجعلنا نرى الحياة كما لم نرها من قبل. فما كان يؤلمنا بالأمس، صار اليوم درسا لنا، وما كنا نخشاه صار جزءا من وعينا، وما كنا له طاردين من الذاكرة صار وشما من الحكمة على جدارات الروح …
وأنا جالس في مكاني أنتظر فرصة اكتمال الغروب، أترقب النور الداخلي الذي يلف كياني دون أن تغرب عنه شمس هذا اليوم، استرجعت ما كان قد عبر عنه ” جلال الدين الرومي ” بقوله :
【 حين تقبل ما يجري وتثق أن كل ما يفعله الله خير ينجلي عنك الحجاب وتفتح لك أبواب الحكمة】 وهو ما لا يعني الاستسلام السلبي، بل هو الثقة الكبيرة في المعنى الإلهي العميق وراء الأحداث. وهذا القبول هو ما سيسمح لنا بأن نرى ما لم نكن نراه من قبل.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com