خواطر امرأة

خواطر امرأة

لازلت أكتبني وأدمن على كتابتي…

الأستاذة “ ثريا الطاهري ”  تواصل كتابة خواطرها عن “الطفلة التي كانتها. والمرأة التي  أضحتها”،  قراءة ممتعة.

الكتابة …عالم لا يخذل
حين اشتد بي الألم وتوالت ضربات الزمن، ضاقت بي كل الأمكنة وخانني بعض الناس، متنكرين لما أنا عليه. حينها لم أجد من يتحمل شكواي، بكائي الصامت، غضبي الحارق … فوجدت نفسي مشدودة إلى تدوين خواطري – التي أعود إليها الآن بعد مضي الكثير من الوقت – منطلقة من قولي:【 ها هنا عالمي … لاشرط فيه ولاقيد لكل دواخلي، التهاباتي، طموحي، أماني…】فالكتابة ما كانت  ولن تكون هواية معزولة عن الذوات لأنها :
غريزة نجاة، يد ثالثة تمسك بنفسي”تأزها أزا ” تازرها حتما.
صوتي حين تَخْنُقُنِي الأحاسيس وينحبس الدمع في الماقي، تنحصر الكلمات في اللسان.
في الكتابة …لن أحتاج لأكون مقبولة ولا مثالية ولا حتى متزنة على الدوام، فيها أكون كما أنا على سجيتي، متأرجحة بين الألم والرجاء، صادقة في تصوراتي وارتباكي. كل صفحة أكتبها هي مثل نَفَسٍ عميق وسط خُنْقَة لا ترى، هي ترجمة لنبض غير مسموع. أكتبت وأتذكر ، أبكي … أحب، ولا أعرف حتى ما أشعر به. وفي كل مرة كانت الكتابة تُعِيدني إليَّ… أَهْدَأْ ، أًوْضَح، أَنْقَى، أَسْعَد …
الكتابة ليست فقط ما أخطه من حروف وكلمات وأسطر بل هي كيف:
     *  أتجاوز ما أنا  فيه أوعليه
     *  أنجو من وطأة الضيق
     *  أرتب شٌتَاتي
     *  أحتضن ذاتي الممزقة وأعيد تشكيلها
لم تكن حروفي، كلماتي دائمة التماسك، غير أنها تبقى صادقة، فيها أَرَّخْتُ لظلالي، لصدى روحي … في عوالم زئبقية. كثيرة الضجيج، فكانت بمثابة هَدْأَتِي الوحيدة. واليوم وأنا أشذب خواطري، وأًرُصٌ حكيي، لا أفعل ذلك من أجل الحنين أواسترجاع للذكرى فقط، بل لأني أعرف حق المعرفة أن ما لانكتبه ينسانا وننساه إلى الأبد.
أمي … حين تضيق الدنيا ، تبقى جسرا ووطنا للآخرين
وأنا أبتغي الحديث عن المرحومة أمي، تنقلني الذكرى إلى عوالم موغلة في الوحشة، تفصلني عنها مسافات هي بامتداد العمر، تضيق علي الأحرف، تعصاني الكلمات. يخونني التعبير، يتسع الجرح، يخيفني البياض … فهي لم تكن- فقط – السيدة الفاضلة، الحكيمة، الرؤوفة التي أنجبتني، بل كانت السكينة التي أحتمي بها وأخواتي، كلما جُنَّ العالم . هي المحراب الذي أختلي فيه بصلوات خاشعة. أنتظر طيفها، زيارتها كل ليلة لتحكي لي عن أمانيها، لقاءاتها بأحبتها المغادرين، عوالمها هناك، غفران ورحمة ربها، جنات الخلد والنعي . اه كم اشتقت اليك أمي بكل حَكْيِكِ، شكاويك أنت التي كنت تعرفين مبتغاي دون أن أتكلم، تحسين بي وأنا البعيدة عنك، تحفظين حزني وعمق عوالمي، من خلال نبرة صوتي – ولو هاتفيا  – ، تخبئين قلقي عن كل العيون، وكأنك تقولين في هم : [ أنا هنا …. فلا تخافي أيتها الثريا ].
 كنتُ أخبيء أسراري عن كل الآخرين إلا هي. لأنها تقاسمني همومها، شكاويها، رغباتها … وهي التي تكتبني في صلواتها، تعبدها،  دعائها. تذكرني في كل رجاء خفي لها. تحبني / تحبنا بصيغة الدعاء، لا الادِّعَاء. تُقَاسِمُني الألم في صمت، بعد أن أرهقها المر ، الغياب، الفَقْد، وخانتها العافية، غير أن كل ذلك لم يسرق منها وقارها، كرمها، حكمتها، حنانها الذي طوقتنا به، نحن الأبناء والبنات، الاصهار، الأحفاد،- الذين أَوَتْهُم بعطفها وحملتهم بكرمها الحاتمي في حياتها، فيشاء القدر أن يلتفوا حولها، يحملوا نعشها على أكتافهم، وقلوبهم مطمئنة بقضاء الله وقدره، وعيونهم تذرف الدمع لاحزنا عليها فحسب بل وفاءً  لذكراها فهي لهم جميعا الجدة الكريمة والأم الحنون  – …. تخفي عنا أنينها ومعاناتها، لئلا نرتبك، فتبتسم وهي تُصَارع مَوْجاً لايرى. في كل مرة تعود من زيارتها للطبيب، كنا نشعر أنها تحظى بفرصة حياة  جديدة، رغم علمنا بأن الوقت معها لم يكن مضمونا، ولذلك عشته معها  وأنا المعطوبة والمأزومة – من جراء عمليات جراحية لم تعط المرجو منها – كما تُعَاش النِعْمَةُ، بشكر ودهشة وخوف من الفقد. فكانت أمي في ضعفها مصدر قوتي، كيف لا وهي التي كانت –  في مرضها –  ترعاني ، قريبة مني أو بَعِيدَةٌ عنها فهي عكازتي وعمودي الفقري الذي لا يُرى،
واليوم وإن طلب مني الجواب عن سؤال ” أين وطنك ” ؟
يكون جوابي بدون تردد . بيت أبي وأمي الغائبين الحاضرين، البعيدين القريبين، ذاك هو وطني الحقيقي ، كيف لا وهما ممن ينطبق عليهما ما جاء في سياقات المدح والرثاء【 رجال كانت حوائج الناس تقضى على أيديهم … لا لأنهم يملكون مالا كثيرا أو سلطانا عريضا ، بل لأن في قلوبهم نورا  وفي أيديهم بركة ولأنهم اعتادوا أن يكونوا جسورا يعبر عليها الناس إلى الفرج 】فرحمة الله عليهما – وعلى كل من غادرونا لملاقاة ربهم من الأهل والأحباب – لقد تركا وراءهما سيرة
عطرة، بعد أن كانا يهرعان – كل من جانبه – إلى الضعيف قبل أن ينادي، ويقفا إلى جانب المحتاج قبل أن يطلب، لم يعرفا للأنانية طريقا، مكرسين حياتهما جسرا يعبر عليه الآخرون إلى الطمأنينة. وكل من عرفهما يشهد أنهما كانا من مصابيح الدجى، يبددان الظلمات بالابتسامة الصادقة والكلمة المواسية والفعل المَخْفِي عن الأعين.
أنا كما اخترت أن أكون
لم أعد تلك التي تنتظر أن تُمْنَح الإعتراف من الآخر، ولا تلك التي تُقَاس بمن أحبها أو من تركها أو من أساء إليها ، عن قصد أو غيره . ولا تلك التي تتشكل عن هوى نظرة أو رغبة ، أو القوالب الجاهزة للآخرين . فاليوم أنا كما اخترت أن أكون ، بكل هشاشتي ، قوتي ، صبري ، معاناتي ، وبكل الحكايا التي عبرتني ولم تبلعني ، اخترت أن أكون :
– واضحة ، وعلى يقين أن وضوحي سيزعج بعضا من  الآخرين .
–  صامتة حين يصبح الكلام إسرافا.
– حاضرة حتى لا يتم نسياني.
– كاملة بما أنا عليه، لا نسخة مصقولة متصنعة لإرضاء الجميع .
وللحقيقة أقول، أني لم أصل إلى هذه النسخة من ” أنا ” بسهولة، كان علي أن أُنَقِّب في وجعي، أن أتحرر من جراحي، أن أسامح أشخاصا على ما اقترفوه في حقي، أن أتخلى عن أحلام كنت أظن أنني لن أعيش بدونها. لكنني عشت … نجوت، بل ازددت محبة وعشقا في الحياة ،فحين أسترجع ذكرياتي ، أبتسم بامتنان كبير  لكل مرة خرجت فيها من دائرة البكاء مبتهجة . لكل مرة قلت فيها ” كفى ” أو “عفى  الله عما سلف ” رغم ترددي . لكل مرة انتشيت فيها ، حتى ولو لم يصفق لي فيها أحد.
فأنا لست إمرأة مثالية، لكنني إمرأة تعرف جيدا ماتريد، وتبتغي أن تكون عليه. إمرأة تسامح نفسها على ما لم تستطع أن تنجزه. إمرأة تحب الحياة حتى في أقسى لحظاتها. إمرأة  تشبه نفسها ويكفيها ذلك.
مازلت أكتبني
رغم كل ما مر، وما سقط من ذكريات وتبخر من أحلام، وتبدد من صور كنت قد رسمتها لنفسي … رغم كل ذاك وغيره، فأنا لازلت أكتبني وأدمن على كتابتي.
مازلت أعود إلى بياض الورق، حين تضيق نفسي، وأجد في الحروف والكلمات حضنا دافئا، صامتا، ممتعا، يقول لي بلطف :[ لم ينته الحكي والحكاية بعد، يا أيتها ال ” ثريا ” ] . لقد اخترت المحبة، المسامحة، بغض النظر عن التغيير، التخلي، التهميش. عرفت الألم من عيون أمي، والخذلان ممن ظننتهم ذات يوم ملجأي، وفي كل مرة أقول لنفسي: قومي فهذه ليست النهاية، بعد أن علمتني التجارب أن الحياة لا يمكن أن تكون مفروشة بالورود دوما، ولا هي عادلة دائما. فكل ما مر بي أو عشته، إلا وترك بي أثره الخفي، غير أنه لم يقتل ما بداخلي من رغبة في البدء دوما ومن جديد. فأنا اليوم لست فقط تلك التي صمتت، بل من تعلمت كيف تتكيف مع المرض، الفقد، الهجرة، التهميش، التناسي. تعلمت كيف  أصنع من الألم معنى، ومن الغياب حضورا ومن الأشواك زهورا فواح أريجها. تعلمت كيف أفتح نوافذ القلب والذاكرة، وتركها مشرعة لاستقبال ما سيأتي مع الزمن. ولأني لا أخادع، لا أتصنع، لا أزيف ما أكتبه، أقول وبمنتهى العفوية والصدق: ربما مازالت هناك لحظات وأيام سأبكي فيها، وأخرى سأضحك فيها من أعماقي، ويبقى الفرق أنني صرت أومن بأنني أملك نفسي وأنني سأضيع كلما مشيت في الطرق التي لا تشبهني.
ومادمت أكتب وأدون وأحكي خواطري، فأنا بألف خير وعافية. وما دمت أكتبني فأنا حَقِيقَة حَقِيقِية. ومخافة أن أُنْسَى ذات يوم، أستحضر قول  ” محمود درويش” :
( تنسى كأنك لم تكن
    تنسى كمصرع طائر
    ككنيسة مهجورة تنسى
    كحب عابر وكوردة في الثلج تنسى )
           ثريا الطاهري الورطاسي
        طنجة في فاتح غشت 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com