الكوتشينغ…موضة العصر؟

الكوتشينغ…موضة العصر؟

الكوتش الحقيقي لا يمنحك المعنى

عطفا على مقالة ” الاستاذ سرحان عبد اللطيف ” المعنونة ب ” عن مهمة الكوتشينغ … أحكي ” المنشورة بجريدة ألوان يوم 2 غشت 2025 . وافانا ” الاستاذ المختار عنقا الادريسي ” مشكورا  بقراءة في هذه الظاهرة ، ننشرها لإدارة النقاش الفكري المثمر بين قُراء ومتتبعي الجريدة.

مدخل تأملي: 
في عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتزداد فيه الوحدة والفردانية، رغم الضجيج اليومي والصخب اللامتناهي، يخرج – علينا – من بين ثنايا الضباب ، صوت جديد … لاهو بالصديق الحميم ولا بالطبيب المختص، بل هو ما صار يعرف بالسيد” الكوتش”. يأتينا بعبارات مُطَمْئِنة جدا وأسئلة مفتوحة وخريطة طريق معدة سلفا… يهمس فيك وإليك بصوت مرتفع【 أنت تستطيع 】لكن هل ما نبحث عنه أو ما نحن في حاجة إليه – حقا – هو التمكين، أم أن ما نفتقده أعمق من ذلك النصح بكثير؟ وهل نحن في حاجة إلى كوتش ، أم إلى لحظة صدق مع الذات؟
1  في حضرة الكوتش، يبحث الإنسان عن المعنى المفقود.
في البدء، أجدني ملزما بالقول بأنه مرافقة إنسانية جديدة، تَعِدُ الفرد المستهدف بالتحول، التوازن، النجاح ..وخلف كل تلك الوعود، تَطَرح الظاهرة أسئلة محرجة، منها: من يراقب الكوتش؟ ما الفرق بينه وبين المعالج النفسي؟ وكيف تحول دعم الذات إلى سوق مفتوح للخطاب التحفيزي والتسويق العاطفي؟ وأخيرا هل الكوتشينغ أداة أم مرآة ؟
وأنتهي إلى القول بأنه علاقة تعاونية موجهة نحو أهداف – قد تكون غير محددة- يتم فيها تمكين الفرد المستهدف من الوصول إلى تطوير نفسه، للوصول إلى أفضل نسخة من نفسه عبر جلسات تحفيزية / علاجية، تقوم على الإنصات، التوجيه. عمادها الأسئلة المفتوحة، مما  يجعله يختلف عن العلاج النفسي في كونه لا يتناول أمراضا أو اضطرابات نفسية، لأنه يكتفي بتقديم الاستشارات لا الحلول المباشرة، كما لايقوم على نقل الخبرة ويكتفي بالتمكين الذاتي. وبالاستناد إلى الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة  نجد أنه أنواع تتجمع في :
كوتشينغ الحياة: ويركز على الأهداف الشخصية، العلاقات، الثقة بالنفس.
الكوتشينغ المهني: وَيُوَجَّهُ لتطوير الممارسات المهنية واتخاد قرارات العمل.
الكوتشينغ القيادي: يستهدف تطوير  القدرات عند المدراء والقياديين.
الكوتشينغ العاطفي، الأسري، المالي وهي أنماط مستحدثة بناء على  العديد من الطلبات المجتمعية .
    2   الكوتشينغ بين الحكمة الاغريقية  والحداثة التحفيزية
قد يبدو الكوتشينغ ظاهرة معاصرة مرتبطة بالنجاح المهني وتطوير الذات، غير أن له جذورا فكرية وفلسفية تمتد عميقا في تاريخ الفلسفة، نجملها في :
الحوار التوليدي أساس الكوتشينغ:  يمكن القول بأن صداه يعود إلى صوت  “سقراط ” حين كان يوقظ الفكر بأسئلته التقليدية – فن التوليد – حيث كان يعتبر نفسه المساعد الأساس للآخر على الوصول للمعرفة أو استخراجها من الذات ، بالاستناد إلى الحوار والتساؤل- لا من خلال – التعليم المباشر. وهو مايشبه الى حد كبير عمل الكوتش القائم على أسئلة محفزة للتفكير الذاتي وتنشيط عملياته .
التحكم في الذات والعقل كقوة موجهة: وهو ما كانت تدعو إليه الفلسفة الرواقية، من تركيز في السيطرة على الانفعالات، وقبول ما لا يمكن تغييره والعمل على تغييره ، وجميعها مفاهيم تحضر اليوم بشكل كبير في مدارس الكوتشينغ ، القائمة
في التركيز على التحكم الداخلي وضبط التفكير وتجاوز التوتر【 فليست الأشياء هي ما يزعج الإنسان، بل تصوره عنها】.
تحرير الإنسان من الوصاية الخارجية: لقد أعادت المدرسة الإنسانية في علم النفس – القرن العشرين- فكرة إحياء المباديء الفلسفية حول كرامة الإنسان، حريته، قدرته على التعبير. ويمكن القول بأن الكوتشينغ تأثر بشكل مباشر بهذه الرؤية الفلسفة التي ترى في الإنسان كينونة قادرة على تحقيق ذاتها، عبر الدعم غير الحُكْمِي، والإنصات الفعال والتمكين النفسي، فنجد أن【 الإنصات الفعال – القبول غير المشروع – التركيز على الحاضر لا الماضي …】من المفاهيم المركزية التي تقوم عليها حصص الكوتشينغ.
الحرية والبحث عن المعنى ، مفاهيم:  تقوم عليها الفلسفة الوجودية : نجدها في المستويات العميقة للكوتشينغ، ويستمد  بعض أفكاره الجوهرية مما تقوم عليه الفلسفة الوجودية، مثل【 أن الإنسان مسؤول عن اختياراته – أن القلق جزء طبيعي من الحرية ‐ المعنى لا يُعْطَى وإنما يُبْنَى 】. ومن خلال كتاب ” الإنسان يبحث عن معنى ” للطبيب “ فيكتور فرانكل ” نجده يُلْهٍم كثيرا من رواد الكوتشينغ الحديث، الداعي إلى مرافقة الناس في البحث عن رسالتهم الشخصية، لتجاوز القلق وصناعة الهدف.
الاستقلالية العقلية والقرار الأخلاقي : لقد شدد “ ايمانويل كانط ” على مفهوم  ” البلوغ العقلي ” Autonomie ، أي قدرة الفرد على التفكير بنفسه بعيدا عن أي وصاية ، وهو ما يحاكي روح الكوتشينغ، حيث لا يتلقى الفرد أية أوامر، بل يعزز وعيه بحرية ومسؤولية تامة .
  3  الكوتشينغ في المغرب والبلاد العربية:  أداة للتحول أم تجارة للأمل ؟
في المغرب كما في سائر العالم العربي، لم تأت هذه الظاهرة من فراغ، وقد نمت بوجود تربة خصبة تتراوح مابين  :
شباب حائر، عالق بين تقاليد متكلسة وحداثية متوحشة.
سوق عمل ضبابي ومدرسة لا تعلم كيف نعيش، وتكتفي بما يعرف عند المربي البرازيلي ” باولو فرايري ” بالتعليم البنكي.
خطاب إعلامي يقدم الكوتشينغ كخلاص فردي لا كمسار معقلن ومسؤول.
والى جانب كل هذا طفحت إلى السطح ، فوضى عارمة متجلية في :
كيف تصير كوتشا في ثلاثة أيامالوصفات الجاهزة لتحقيق النجاح في أسبوعجلسات موجعة لقلوب مكسورة، تحتاج إلى مساندة الطبيب، لا إلى نصائح المدرب ….】. فمن منصات التحفيز على اليوتوب، إلى برامج الواقع، تحول أصحاب “الكوتشينغ ” إلى نجوم أو وعاظ عصريين، قد يخلطون بين النفس والدين، بين البرمجة اللغوية والمعتقد، بين الحافز والإبهام … وفي غياب التأطير المعقلن والتتبع الواعي، قد تصبح جلسة الكوتشينغ، طقسا يشبه العزاء أو يغدو مجرد حلقة مصغرة، أكثر مما هو ممارسة مهنية مقننة بالكثير من الضوابط. وان ممارسة مضبوطة من هذا القبيل، عندما يكون الكوتش المسؤول عنها صادقا ومُؤَهَلا للمارستها فإنه يعلمنا كيف :
ننظر في أعماقنا ونتأملها.
نصغي دون أن نحكم .
نسير دون خوف أو مزالق.
وفي غير ذاك المنحى والتوجه، أو عندما يُسِيء البعض استخدامه يصبح ذاك الفعل:
استغلالا لألم وضعف الآخرين.
أوهاما تباع بثمن عاطفي ومادي.
خطرا على النفوس الهشة ، الباحثة عن السند.
4   من أجل تأمل ختامي
ان الكوتش الحقيقي لا يمنحك المعنى، بل هو يرافقك وأنت تبني الجلسات بنفسك، يصاحبك ولا يعدك بالنجاح أو النجاة أو الخروج مما أنت فيه، بل ينير زاوية/ زوايا مظلمة تحجب عنك الرؤية الواضحة وأنت في طريقك، وبذلك يضعك في مواجهة نفسك التي تهرب منها منذ زمان، دون أن تدري ذلك.
وحين نفهم أن ما نفقده ليس المهارة، بل هو الرؤية. وأن ما نريده ليس من يرشدنا بل من يعيش معنا دون أي ادعاء. حينها فقط … نكون جاهزين لأن نبدأ جلسة الكوتشينغ الحقيقية  التي ما أحوج الكثير منا إليها .
المختار عنقا الادريسي
3 غشت 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com