من التفسير الى التبرير (خاتمة السلسلة)

من التفسير الى التبرير (خاتمة السلسلة)

نوافذ في صدق المعنى

عتبة للختم:

        المختار عنقا الادريسي

بعد عبور النوافذ السابقة ، فاني لا أصل الى يقين نهائي، ولا الى حقيقةمكتملة، بل – ربما – أصل الى قدر أكبر من الوعي بهشاشتنا وأنا أحاول تلمس الفهم . بعد أن بدأت المسار بسؤال بريء عن المعنى ، وشيئا فشيئا ثم انكشاف :
كيف يمكن للتفسير أن يفقد صفاءه ؟
كيف يتسلل التبرير الى اللغة ؟
كيف نعيد تشكيل علاقتنا بالحقيقة دون أن نشعر ؟
لكن الرحلة لم تكن بحثا في أخطاء الفكر فقط ، بل في أعماق الانسان حين يخاف من مواجهة ما يربكه . لهذا تأتي هذه النافذة الأخيرة لا لتغلق التأمل ، بل لتعيده الى سؤاله الأول : هل نفسر فعلا لنفهم ؟ أم أننا كثيرا ما نفسر … كي ننجو ؟
في هذه وقفة الختام هذه، لا أجدني باحثا عن أجوبة نهائية، بل عن تلك المسافة الصادقة التي تسمح لي … لك …للآخر… بأن نرى أنفسنا بدون أقنعة، وأن نقترب من الحقيقة، دون أن نحولها الى مجرد ملاذ يحمينا من قلقها. انها نافذة للعودة، لا الى اليقين، بل الى الصدق في منتهاه.

النافذة الختامية: حين نفهم … أو ننجو..

في نهاية هذا المسار، لا نقف عند فكرة بعينها، ولا عند خلاصة جاهزة، بل عند سؤال يتراوح جيئة وذهابا في كل النوافذ السابقة. يتحدد في لماذا نفسر؟
في البداية ، بدا الأمر بسيطا : نفسر لنفهم . لكن مع كل انزلاق خفي …كل تبرير متقن … بدأ يتكشف لنا أن الأمر أكثر تعقيدا . فنحن نفسر أحيانا لنفهم ، لكننا – في لحظات كثيرة – نفسر لننجو ، ننجو من ثقل الاعتراف … من قلق الشك … من تلك المسافة المؤلمة بين ما نحن عليه … وما نود أن نكونه . وهكذا ، لايعود التفسير مجرد فعل معرفي ، بل يصبح استجابة داخلية لحاجتنا الى الاتساق . نعيد معه ترتيب العالم ، لا كما هو ، بل كما يسمح لنا بالاستمرار دون تصدّع . لكن هذه النجاة حين تُبنى على التبرير ، تحمل في داخلها بذرة فقدان صامت . فكل مرة ننجو فيها من مواجهة الحقيقة،نكون قد ابتعدنا خطوة عنها . وكل مرة نُقنع فيها أنفسنا بما نريد ، نُضعف قدرتنا على رؤية ماهو كائن . حتى نصل – دون أن نشعر – الى لحظة نكون فيها أكثر انسجاما مع روايتنا وأقل اتصالا بواقعنا . غير أن ما كشفته هذه الرحلة ، ليس فقط هشاشة التفسير ، بل امكان انقاذه . فحين ننتبه الى هذا المسار ، لا لنلوم أنفسنا ، بل لنفهم كيف انزلقنا ، فنستعيد شيئا أساسيا : قدرتنا على العودة الى السؤال ، قبل أن يخنقه اليقين . العودة الى تلك اللحظة الأولى حيث كان الفهم ممكنا … لأنه لم يكن خاضعا للخوف . وهنا يتغير معنى النجاة نفسه . فهي لم تعد تتجلى في الهروب من الحقيقة ، وانما في القدرة على مواجهتها دون أن ننهار … في أن نراها كما هي ، حتى وان لم يكن ذلك في صالحنا ، وأن نتحمل ما تُكشفه لنا دون أن نعيد تشكيله على مقاسنا . انها نجاة من نوع اخر : نجاة عبر الصدق ، لا عبر التبرير . وفي هذا الأفق ، لا يعود التفسير طريقا الى الاطمئنان ، بل طريقا سالكا الى وعي يقظ ، يحرسه الشك ويُوَجِّهُه التواضع ،وتغذيه الرغبة في الفهم …لا في الدفاع ومن هنا لا يكون الرهان أن نكون دائما على صواب ، بل أن نظل قادرين على مراجعة ما نظنه صوابا . ألا نغلق المعنى ، وألا نحتمي به ، بل نتركه مفتوحا … قابلا لأن يُعيد تشكيلنا كما نحاول أن نفهمه . ذلك أن أخطر ما قد يحدث ، ليس أن نُخطىء في التفسير ، بل أن ننجح في تبرير الخطأ … حتى يبدو لنا صحيحا . وحينها لا نخسر الحقيقة فقط ، بل نخسر الطريق اليها . أما حين نظل قادرين على العودة، على الشك ، على الاعتراف ، فاننا – ونحن نخطئ – نظل داخل أفق المعنى . وهذا ربما هو البعد الأعمق لهذه الرحلة الممتدة عبر نوافذها المتعددة : أن نفهم … لا لننجو ، بل لنكون أكثر صدقا في ما لايمكن النجاة منه .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *