مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 5

مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 5

حين تختبر الكرامة

ثريا الطاهري الورطاسي

الحلم والإنكسار

عتبة للبدء: من التكيف الى انكشاف المعنى

ليس التكيف نهاية الرحلة كما قد يُخيَّل للبعض، بل هو فقط تلك المرحلة التي يتوقف فيها الصراع الخارجي … ليبدأ سؤال أعمق في التشكل :

ماذا تغير فينا ؟ فحين ننجح في التعايش مع العالم نكتشف أن التحدي الحقيقي لم يكن في الخارج، بل في تلك المسافة الخفية التي تفصل بين ما نعيشه … وما نفهمه منه. التكيف يُهَدِّئ السطح، لكنه لا يجيب عن كل الأسئلة. إنه يمنحنا القدرة على الاستمرار، لكنه يتركنا وجها لوجه أمام ضرورة الفهم والاستيعاب. ومن هنا بالضبط تبدأ مرحلة أخرى، لا أسعى فيها الى التأقلم فقط، بل الى استخراج المعنى من كل ما مررت به. ومن هذا الأفق لم تعد الأسئلة توجه الى الخارج : لماذا حدث كل ذلك؟ لتنقلب نحو الداخل : ماذا تعلمت أنا مما حدث؟ والى ماذا تحتاج تلك التجربة لكي تُفْهم … تنمو … تنضج؟ وماذا عن المسافة الزمنية التي تتطلبها كي تتحرر من ضغطها … حدودها الأولى؟ فما عشته في لحظة ما، قد أعتقده أو أظنه شأنا خاصا، يبقى محصورا في ظروفه وسياقاته. لكنه مع مرور الوقت، اكتشف عن قابليته في مجاورتي ومحاورتي … اذ سرعان ما يمتد نحو الآخرين، وقد يجد له صدى في حكايات ونوازل لم نعشها بعد، وتتولد عنه أسئلة مشتركة مع الكثيرين.

ومن هنا تستحضرني رسالة كنت قد توصلت بها من المرحوم خالي ” الحسين عرفاتي “، عندما كنت بإعدادية السويح – مؤرخة بفاتح يناير 1990 – أقتطف منها للذكرى والعِبْرة مايلي:

“…كنت وأنا أتابع قراءة رسالتك، يتوزعني شعوران مختلفان:

فمن ناحية كنت وما أزال أشعر بالإشفاق عليك والرثاء لك من تلك الحياة القاسية التي تحيينها بعيدة عن أرضك وذويك، محرومة من دواعي الأنس وموجبات السرور، وسط مجتمع غريب عنك مازال يعيش في ظلمات الجهل والتخلف.

ومن ناحية ثانية أحسست بالاعجاب بك والاكبار لك ، مقدرا حقَّ قدرها تلك العزيمة القوية والجرأة الكبرى اللتين كانتا من وراء إقدامك على هذه المغامرة التي طرحتك في بلد ناء جدا ، بل في قرية لم تشرق عليها بعد شمس القرن العشرين وأنوار حضارته . ومن هذه الناحية فأنا أهنئك بكل اخلاص على هذه الروح المغامرة التي لا يملكها كثير من الشبان ، فأحرى فتاة في مثل سنك . انها تجربة لا أشك في أنها ستُثْري معارفك وتشحذ مشاعرك ، وتعمل على تقوية شخصيتك وتعود عليك بفوائد جمة قد لا تلمسينها إلا بعد حين …” .

وهكذا لا تعود تلك التجربة مجرد ذكرى شخصية عابرة، بل تتحول الى وعي يتقاسمه أكثر من صوت . والى أثر خفيٍّ يُسهم في إعادة تشكيل النظرة الى نفسي … قدراتي … استحضار نتائج تلك التجربة / المغامرة – غير المحسوبة – وإلى ما يمكن أن أصير اليه أو عليه. وعندما أتوقف عند النافذة الخامسة وأستحضرها، فليس بوصفها استمرارا لتلك التجربة، بل باعتبارها فهما واستيعابا كاملا لها، بكل سلبياتها وايجابياتها .

حين تصير التجربة ذاكرة للاخرين

لم أعد أستحضر تلك التجربة فقط لأفهم نفسي أكثر، بل بدأت أراها من زاوية أخرى، زاوية ما يمكن أن تعنيه لغيري – بالأساس – . ففي لقاء عابر مع احدى الزميلات، كانت تحكي بحماس عن رغبتها في خوض تجربة التدريس خارج أرض الوطن. قالت لي مبتسمة :

(قررت أن أخوض تجربة الالتحاق ببعثات التدريس خارج المغرب، فما رأيك في هذا القرار ؟)

نظرت اليها لحظة، ورأيت في عينيها ذاك الحلم الذي حملته يوما. لم أرد أن أطفئ حماسها ولا أن أعيد لها تجربتي كتحذير. فقلت بهدوء:

جربي . ولكن خذي معك نفسك، ولا تتركي أي شيء يُفرض عليك وَيُصَيِّرُكِ غير أنت.

ابتسمت وانصرفت، كنت متيقنة بأنها لم تفهم ما قصدت. ولم يكن ذلك بالأمر الغريب، لأني أعرف بأن بعض النصائح لا تفهم الا بعد التجربة.

ودون أن أشعر لاحظت أنني صرت أستحضر تلك المرحلة في مواقف عدة:

حين أرى أستاذا شابا مترددا، حين أسمع عن تجربة لم تكتمل، أو حين أشاهد صمتا يشبه ذاك الذي عشته هناك. لم أعد أرى الأمور بسطحيتها، بل صرت أبحث عمَّا يكمن في طياتها أو يختبئ وراءها. وفي احدى النقاشات التربوية، تحدث أحدهم عن ” الالتزام المهني ” باعتباره طريق الاستمرار مهما كانت الظروف. استَنْبتُ الفكرة في تربة يقيني، وقلت بهدوء :

الالتزام مهم … ولكن ليس على حساب كرامة الانسان“.

ساد صمت خفيف، وغذا الحضور وكأن على رؤوسهم الطير، فأضفت : ( حين نفقد انسانيتنا، فحتى العمل يفقد معناه وبالتالي فلا محل من الاعراب لكلمة ” الالتزام “).

لم يكن ذلك مجرد رأي، بل خلاصة تجربة عشت – بمرارة – كل تفاصيلها. تجربة علمتني أن نقل المعرفة لا يكفي، وأن الأهم هو نقل الوعي حتى ولو كان بصمت.

شيئا فشيئا بدأت أرى أن ما عشته لم يكن مجرد حدث شخصي، بل هو جزء من واقع يعيشه كثيرون. واقع تُطرح فيه نفس الأسئلة وبأصوات مختلفة. الأمر الذي جعلني أسأل نفسي ذات يوم :

(هل كنت سأكتب هذه المذكرات لو لم أعش تلك التجربة ؟ )

وكان الجواب في غاية الوضوح : – ربما لا

من هنا أدركت أن بعض التجارب ، رغم قسوتها ، تمنحنا صوتا لم نكن لنمتلكه بدونها . ومعها صرت لا أنظر الى الماضي بحنين ولا بأسف ، بل بنوع من الامتنان الهادئ . امتنان لتجربة كشفتني ووضعتني أمام نفسي وأجبرتني أن أحسن الأختيار .
وللخلاصة أقول :

إذا كنا لا نستطيع أن نجنب الآخرين ما عايشناه ، فإننا نستطيع أن نمنحهم شيئا اخر:

وعيا، اشارة، تلميحا، كلمة صادقة في الوقت المناسب. خاصة وأنه لم يعد يهمني أن أفهم حكايتي كاملة، بقدر ما يهمني أن تصل منها تلك الفكرة البسيطة الملخصة في أن الانسان في النهاية، لا يملك إلا أن يكون هو نفسه ، وليس أي أحد غيره .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *