النموذج التنموي بالمغرب بين التصور والتفعيل..
لماذا لم يتحول إلى ميثاق وطني؟!

يمثل النموذج التنموي بالمغرب، في جوهره، محاولة لصياغة تصور شامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، يحدد الأولويات الكبرى للدولة والمجتمع، ويمنح العمل العمومي بوصلة واضحة نحو الرفع من الثروة، وتقليص الفوارق، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص العيش الكريم. وقد برز هذا الموضوع بقوة مع تنامي الوعي بأن النموذج القائم لم يعد قادرا، بمفرده، على الإستجابة للتحولات الداخلية والخارجية، ولا على معالجة الإختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. وهكذا انتقل النقاش حول التنمية من كونه نقاشا تقنيا وإقتصاديا إلى مساءلة أوسع للطريقة التي تدار بها قضايا النمو والعدالة في آن واحد.
النموذج التنموي: ماهيته ومقوماته
النموذج التنموي ليس مجرد خطة قطاعية معزولة، بل هو منظومة متكاملة تشمل الإقتصاد، والتعليم، والصحة، والحكامة، والإستثمار، والعدالة الإجتماعية، والتمثيل السياسي، وتوزيع الثروة. وبهذا المعنى، فهو تعاقد ضمني أو صريح حول ما الذي تريد الأمة تحقيقه، وبأي وسائل، ولصالح من، وفي أي أفق زمني. لذلك لا يقاس نجاحه فقط بمعدلات النمو، بل أيضا بمدى تحسن حياة المواطنين، وتراجع الفوارق، وإرتفاع منسوب الثقة في المؤسسات، وتعزز الشعور بأن التنمية أصبحت مصلحة مشتركة، لا مجرد سلسلة من المشاريع المتفرقة.
ملامح تجربة النموذج السابق في المغرب
شهد المغرب خلال العقود الأخيرة عددا من الأوراش والمبادرات التنموية، من أبرزها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوسيع مشاريع البنية التحتية، وبناء شبكات الطرق والموانئ، وتطوير قطاعات الطاقة والإتصالات، إلى جانب إصلاحات جزئية في التعليم والصحة والتقاعد. غير أن هذه البرامج، على أهميتها، لم تفض إلى تحول هيكلي كاف في بنية الإقتصاد، ولم تنجح في ضمان توزيع عادل لثمار النمو. لذلك ظل الإنجاز المادي أكبر من أثره الإجتماعي المباشر، واستمرت الفوارق قائمة بحدة، كما لم تتعزز ثقة المواطنين في الفعل العمومي بالقدر الذي كان مأمولا.
أعطاب النموذج السابق وغياب التكامل
من أبرز أسباب هذا الخلل ضعف الإنسجام بين الإستراتيجية التنموية والسياسات العمومية، إذ تعددت الخطط والبرامج، فيما ظلت البوصلة العامة في كثير من الأحيان مشتتة، وبقي التنسيق بين القطاعات محدودا. كما برز تفاوت في وتيرة التحول الهيكلي، وضعف في التنسيق بين الفاعلين، ومحدودية في إنتقائية الإختيارات، فضلا عن هشاشة آليات التتبع والتقييم والمحاسبة، وهو ما أفقد التوجهات الإستراتيجية جزءا من قوتها التنفيذية. ويرى كثير من المتابعين أن جانبا مهما من تعثر التنمية يرتبط أيضا بأبعاد سياسية ومؤسساتية أوسع، في مقدمتها ضعف الحكامة، وغياب ثقافة راسخة للمساءلة، وبطء إصلاح الإدارة والرفع من فعالية الشأن العام.
لماذا لم يتحول النموذج إلى ميثاق وطني؟
الإنتقال من “نموذج تنموي” إلى “ميثاق وطني من أجل التنمية” يعني الإنتقال من رؤية تقريرية أو تقنية إلى إلتزام سياسي وإجتماعي ملزم، يشارك في صياغته مختلف الفاعلين، ويتحول إلى مرجعية دائمة للجميع. ورغم أن تقرير النموذج التنموي الجديد أوصى بهذا التحول، فإن تنزيله في الواقع ظل متعثرا بسبب شروط لم تكتمل بعد. أول هذه الشروط هو التوافق السياسي الواسع، إذ يتسم الواقع المغربي بتعدد المتدخلين وتباين المصالح، وصعوبة بناء إجماع مستقر حول الأولويات الكبرى، ما يجعل أي إلتزام طويل الأمد أمرا شديد الحساسية. أما الشرط الثاني فيتعلق بكون الميثاق لا ينجح بالخطاب وحده، بل يحتاج إلى آليات فعلية للإلزام والرقابة والمساءلة، وهي آليات لا تزال، في نظر كثيرين، دون مستوى الطموح الذي تعكسه النصوص والتقارير.
العوائق السياسية والمؤسساتية
يرتبط التأخر في ترسيخ الميثاق الوطني أيضا بطبيعة البيئة السياسية والمؤسساتية السائدة. فكل ميثاق تنموي يحتاج إلى قدر معتبر من الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وإلى وضوح في توزيع المسؤوليات، وربط فعلي بين القرار والمحاسبة. وعندما تبقى السياسات متفرقة، أو تتبدل الأولويات بتبدل الفرق الحكومية، أو تضعف قابلية التقييم والمتابعة، يتحول الميثاق إلى مجرد إعلان نوايا، بدل أن يكون عقدا وطنيا ملزما. كما أن بعض القراءات ترى أن الثقافة الإدارية والسياسية لم تبلغ بعد المستوى الذي يجعل التنمية مشروعا وطنيا مشتركا بالمعنى العميق، بل تظل، في كثير من الأحيان، مجموعة برامج متجاورة أكثر منها منظومة موحدة تلتزم بها مختلف المؤسسات.
العوائق الإجتماعية والإقتصادية
لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يتحول إلى ميثاق وطني فعال إذا ظلت الفوارق الإجتماعية والمجالية حادة، وإذا بقيت فئات واسعة خارج دائرة الإستفادة الفعلية من ثمار النمو. فالمجتمع لا يلتف حول مشروع ينظر إليه بإعتباره شعارا أكثر منه واقعا ينعكس في تحسين ملموس للتعليم، والصحة، والشغل، والسكن، والعدالة المجالية. كما أن محدودية تقليص الفوارق وضعف فرص التنقل الإجتماعي يعززان الإحساس بأن التنمية ليست للجميع، وهو ما يضعف بدوره الرغبة الجماعية في الإلتفاف حول ميثاق يفترض أن يمثل الجميع ويخاطب مصالحهم المشتركة.
أزمة الثقة والحكامة
من أبرز أسباب التردد في ترسيخ الميثاق الوطني أزمة الثقة التي تطبع العلاقة بين المواطن والدولة. فمع تكرار الوعود ومحدودية التغيير الملموس في الواقع، تصبح الثقة في أي ميثاق جديد هشة وقابلة للتآكل. كما أن تراجع جودة بعض الخدمات، وإتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع الممارسة، يضعفان الحماس الجماعي لأي تعاقد تنموي جديد، ويجعلان المبادرات عرضة للتشكيك أو اللامبالاة بدل الإنخراط والمشاركة. وفوق ذلك، لا تنجح التنمية من دون حكامة جيدة، ولا يكتسب الميثاق التنموي معناه الحقيقي في غياب نظام واضح للمحاسبة يربط المسؤولية بالنتائج، ويعاقب التقصير، ويشجع على التصحيح.
ما الذي ينقص الميثاق ليصير حقيقة؟
حتى يتحول النموذج التنموي إلى ميثاق وطني حقيقي، لا بد من توفر عناصر متشابكة، في مقدمتها توافق وطني واسع حول الأولويات الكبرى، وإلتزام سياسي واضح من مختلف الفاعلين، وآليات مؤسسية قوية للتتبع والتقييم والمحاسبة، وربط التنمية بالعدالة الإجتماعية والمجالية، لا بالنمو الاقتصادي وحده. كما يقتضي ذلك إشراك الفاعلين الأساسيين، من الأحزاب والنقابات إلى المجتمع المدني والجهات والأكاديميين، في صياغة الميثاق ومراقبة تنزيله. ومن دون هذه الشروط، سيظل الميثاق مجرد صيغة رمزية، فيما تتزايد الحاجة إلى مشروع وطني معاصر يربط بين الرؤية والتنفيذ والعدالة، ويؤكد أن التنمية في المغرب ليست أداة لتكريس موازين القوة القائمة، بل وسيلة لبناء مجتمع أكثر إنصافا ومرونة واستدامة.
16/04/26 ألمانيا
