من التفسير إلى التبرير
نوافذ في صدق المعنى 3
كلام لبدء المقام :

ان فقدان المسافة لا يظل حالة عابرة، بل يمهد لشيء هو أكثر خفاءً . فحين نقترب أكثر مما ينبغي الاقتراب منه ، لا نكتفي بتغيير زاوية الرؤية بل نبدأ – دون وعي منا – في اعادة صياغة ما نراه. ويتخذ ذاك التحول مسارا أعمق: من اهتزاز في رؤية النظر، إلى انزياح في بنية الفهم ذاتها. وفي تلك المنطقة الملتبسة، تكون النوافذ في جوهرها عبارة عن تتبع دقيق لمسار داخلي واحد: يتراوح جيئة وذهابا بين الانتقال من تفسير يبحث عن المعنى، إلى تبرير يبحث عن الاتساق. وفي هذه اللحظة لا يظهر الانحراف، لأنه يتقن ويجيد التخفي .. فيبدأ معه التبرير رحلته كظل، لا كخصم للتفسير.
النافذة الثالثة: حين يتخفى التبرير في هيئة تفسير
ليس أخطر ما في التبرير أنه يُعارض التفسير، بل إنه يولد من داخله. فبعد أن تضيق المسافة ويبدأ القرب في اعادة تشكيل ما نراه، لا نشعر أننا غادرنا ساحة الفهم، بل نعتقد – بثقة أكبر – أننا أصبحنا أقرب إليه. وهنا لا يأتي التبرير كخطاب صريح، ولا كاعتراف بانحياز، بل كامتداد طبيعي لما كنا قد بدأناه من تفسير. فنواصل استخدام نفس اللغة: لغة التحليل .. لغة السياق .. لغة تَفْهَمُ الأسباب .. لكن شيئا دقيقا يكون قد تغير في العمق: لم نعد نبحث عمّا يُقْنِع. لأن التبرير في هذه المرحلة لا يلغي الحقيقة، بل يعيد ترتيبها. يُقِرُّ ببعضها ويُمهِل بعضها الآخر، حتى تصبح قابلة لأن تُحمل دون ألم. فهو لا ينكر الوقائع، بل يخفف حدّتها ولايُكَدّبها.. بل يعيد توزيع الضوء حولها. وعندئذ نبرر ما يبرّر ونهمل ما يُربك، ونبني من خلال ذلك كله سردية تبدو متماسكة .. لأنها صمّمت لتكون كذلك. فتتخذ اللغة دورا جديدا، يتلخص في أنها لم تعد أداة كشف، بل أداة ستر. نحسن – معها – باختيار الكلمات .. نُلطِّف العبارات .. نُكثِّف الشرح، نخلق انطباعا بالفهم العميق، بينما نحن في الواقع نكون في ابتعاد تام عن جوهر ما نحاول فهمه. ليبقى أخطر ما في هذا التحول، هو منحنا راحة داخلية. راحة ناتجة عن اتساق ما نقوله مع ما نريد أن نراه، لا مع ما هو قائم بالفعل. فنغدو أكثر اطمئنانا وأكثر قدرة على الدفاع، وأقل ميلا الى الشك. فيفقد التفسير أحد أهم شروطه: القلق المعرفي. ذاك القلق الذي كان يدفعنا الى السؤال .. الى التردد .. الى اعادة النظر. وحين يغيب هذا القلق، لا يتحول التفسير الى معرفة، بل الى يقين مغلق.
وفي هذه اللحظة لا نكون قد كذبنا، ولا تعمدنا الخداع، لكننا نكون قد دخلنا بهدوء تام في منطقة أخطر: منطقة الصدق المنحاز. حيث لا نقول الا ما نراه، ومن هنا لا يعود السؤال: هل ما نقول صحيح ؟ بل يصبح على الشكل التالي: ما الذي اخترنا أن لا نراه .. حتى يظل ما نقول صحيحا؟
ذلك أن التبرير في أعمق مستوياته ليس انكارا للحقيقة.. بل اعادة صياغة لها بما يسمح لنا بالعيش معها دون أن تغيّرنا .
