غرفة النوم في بيوت المدن العتيقة بالمغرب
الناموسية، الدخشوشة، السرير، المطرح، المثلثة
أسماء مكانية ودلالات ثقافية
في بيوت المدن العتيقة بالمغرب، لم تكن غرفة النوم مجرد فضاء مخصص للراحة الليلية، بل كانت جزءا من بنية اجتماعية وجمالية تعكس إيقاع الحياة الأسرية اليومية. فقد تشكلت هذه المساحة من خلال تسميات متعددة تختلف باختلاف الجهات واللهجات المحلية، مثل: الناموسية، الدخشوشة، السرير، المطرح، والمثلثة. ولا تبدو هذه الأسماء مجرد ألفاظ متداولة، بل تحمل في عمقها تصورات دقيقة عن الخصوصية، والستر، وتنظيم المجال المنزلي، والعلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان. ومن ثم، فإن تأمل هذه التسميات يفتح بابا لفهم الكيفية التي كان بها البيت المغربي العتيق ينتج معانيه الإجتماعية والثقافية من داخل تفاصيله اليومية.
الناموسية: مركز الزينة والستر
في البيوت التراثية، ولا سيما في المدن الشمالية مثل تطوان وفاس، تشير الناموسية غالبا إلى السرير الواسع ذي القوائم العالية، المصنوع من النحاس أو الخشب المزخرف، والذي يعلوه في كثير من الأحيان تاج أو قبة تغطى بالستائر والكسوات المطرزة. ولم تكن الناموسية مجرد موضع للنوم، بل كانت أيضا مركزا للزينة ومحورا من محاور جهاز العروس، إذ ترتب حولها اللحف الحريرية، والمرايا، والرفوف المزينة، وصندوق الشوار، فتتحول إلى مشهد بصري غني بالدلالات.
هذا الحضور المادي والعاطفي للناموسية جعلها، في الذهنية الشعبية، تعبيرا يكاد يختزل معنى “غرفة النوم” في البيت العتيق، حتى وإن لم يكن هذا هو الإسم المستعمل في الخطاب اليومي الحديث. فهي تجمع بين الوظيفة والجمال والرمز الإجتماعي، وتؤدي دورا مزدوجا: تمنح الحميمية من جهة، وتظهر مكانة الأسرة وكرامتها من جهة أخرى. وهكذا ترسم الناموسية ذلك الحد الدقيق بين ما ينبغي ستره وما يجوز إظهاره.
الدخشوشة: الفراغ المرن للنوم
تعد “الدخشوشة” من الأسماء الدارجة في عدد من اللهجات المغربية لوصف المكان أو الزاوية التي تستعمل للنوم أو للمبيت، لكنها لا تحيل بالضرورة على غرفة مغلقة وفق المفهوم الحديث. ففي البيوت العتيقة، غالبا ما تكون الدخشوشة حنية جانبية أو زاوية داخل السقيفة أو غرفة الإستقبال، تفرش في المساء بالأغطية والسجاجيد لتصير موضعا للنوم، ثم يعاد ترتيبها نهارا لتستقبل الضيوف أو لتؤدي وظائف أخرى مرتبطة بالإستعمال اليومي.
وتكشف هذه التسمية عن مرونة الفضاء في البيت المغربي القديم، حيث لم يكن من الممكن دائما تخصيص غرفة مستقلة لكل فرد أو لكل وظيفة. لذلك كان المجال المنزلي يعاد تشكيله بإستمرار بحسب الحاجة، بين الليل والنهار، وبين الضيافة والراحة، وبين المشترك والخاص. ومن هذا المنظور، لا تدل الدخشوشة على موضع بعينه فحسب، بل تعبر عن نمط عيش متحرك، يقوم على اقتصاد الفضاء وإعادة توزيعه في إنسجام مع حاجات الأسرة.
السرير: النواة المادية للغرفة
إذا كانت بعض الأسماء الأخرى، مثل الناموسية أو المطرح، تحمل معاني مكانية وإجتماعية أوسع، فإن “السرير” يلتقط في الغالب العنصر المادي الصريح: هيكل الخشب أو المعدن الذي يفرش بالأغطية والوسائد. غير أن حضوره في البيوت العتيقة لم يكن محصورا في وظيفته العملية بوصفه موضعا للاستلقاء، بل كان أيضا مرجعا معياريا لتحديد مكان النوم نفسه داخل البيت.
فغالبا ما كان السرير يوضع في زاوية مائلة أو داخل حنية، ملاصقا للجدار أو في مواجهة باب الدخول، ثم يؤطر بعناصر تزيينية مثل المرافع، والمرايا، والستائر. وبهذا الترتيب يتحول من قطعة أثاث متحركة إلى محور معماري داخل الفضاء، يلتف حوله جهاز العروس وتنتظم حوله تفاصيل الزينة والاستعمال. ومن ثم، يصبح مجموع السرير وما يحيط به هو ما يفهم عمليا على أنه “غرفة النوم” في البيت العتيق.
المطرح: فضاء النوم المنتج يوميا
يحمل “المطرح” في معناه اللغوي دلالة الإلقاء أو التمدد، أي المكان الذي يلقي المرء نفسه عليه للراحة. وفي البيت العتيق يستعمل هذا الإسم للدلالة على الفراغ الذي يفرش فيه اللحاف أو السجاد ليصير مساحة للنوم، سواء أكان ذلك في غرفة متعددة الوظائف، أم في صالة، أم في زاوية منزلية. ومن هذه الدلالة نفهم أن المطرح ليس فضاء مبنيا أصلا بوصفه غرفة نوم، بل فضاء ينتج يوميا بفعل الفرش والترتيب.
وتبرز هذه التسمية طابع الإنتاج اليومي للفضاء في البيت المغربي القديم، حيث تصنع الخصوصية كل مساء ثم تعاد صياغة المكان نهارا ليسترجع وظيفته العامة. وتكشف هذه المرونة عن قدرة الأسرة على تدبير مواردها المادية والفضائية بذكاء، كما تظهر كيف تصبح اللغة نفسها أداة لتنظيم المجال، ورسم الحدود بين ما هو مشترك وما هو حميمي داخل البيت.
المثلثة: الهندسة والخصوصية الاجتماعية
أما “المثلثة” فتشير، بوصفها إسما لغرفة النوم أو للركن المرتبط بها، إلى شكل هندسي مائل أو قطاع شبه مثلث، غالبا ما يتحدد في زاوية البيت أو في حنية جانبية. ويمنح هذا التقسيم الجزء المسمى بالمثلثة طابعا مكانيا واضحا، فيصير فضاء مخصصا للنوم أو للإستقبال الخاص، أو للنساء، أو للضيوف المقربين، بحسب بنية البيت وعاداته الإجتماعية.
غير أن دلالة المثلثة لا تقف عند حدود الشكل، بل تمتد إلى بعدها الإجتماعي والرمزي، إذ تصبح مجازا للخصوصية ذاتها. ففيها ترسم حدود دقيقة بين ما يفتح للعامة وما يحتفظ به لأهل البيت، وبين فضاء المشاهدة وفضاء الستر. وبهذا المعنى، تمثل المثلثة إحدى العلامات الدالة على الطريقة التي كان بها البيت المغربي القديم يدير الفضاء والزمن والعلاقات الإجتماعية داخل جدرانه العتيقة.
تكشف هذه التسميات أن فضاء النوم في البيت المغربي العتيق لم يكن مجرد موضع للراحة، بل مجالا تنعكس فيه قيم الستر، والخصوصية، وحسن تدبير الفضاء. ومن خلال الناموسية، والدخشوشة، والسرير، والمطرح، والمثلثة، يظهر كيف حفظت اللغة اليومية ذاكرة السكن وأبعاده الثقافية والاجتماعية.
منير لكماني 15/04/26 ألمانيا
