همسات السهر 2

همسات السهر 2

مقام الإنكسار

منير لكماني

من آفات النفس أنها تسرق من الطاعة ما لم تقدر على منعه من العمل، فإذا عجزت عن صد العبد عن الخير، دخلت عليه من باب رؤيته لنفسه في الخير. فرب عبد قام في مقام نفع الخلق، فزينت له نفسه أنه صاحب الفضل عليهم، ونسي أن الفضل كله لله، وأنه لو وكله الحق إلى نفسه طرفة عين لانكشف له من عجزه ما يطفئ لهيب الدعوى في باطنه. وليس العجب إلا جهلا مستورا؛ لأن المعجب ينظر إلى ما ظهر من فعله، ولا ينظر إلى من أقامه فيه، ويشهد صورته في العمل، ولا يشهد منة الله عليه في التوفيق.

ومن دقائق هذا الباب أن العجب لا يرد على أهل التقصير وحدهم، بل قد يتسرب إلى أهل الخير من حيث لا يشعرون. فقد يكثر الآخذون بيد رجل، ويثنون عليه، ويقصدونه في حاجاتهم، فتتحرك النفس بحب المنزلة، وتلتذ بسماع الثناء، وتجد في التفاف الناس حولها غذاء خفيا لدعوى لا تكاد تفصح عن نفسها. وهنا يكون البلاء أدق، لأن صاحبه قد يظن أنه في باب خدمة، وهو في الحقيقة على شفا امتحان عظيم، إذ ربما خدم الخلق بجوارحه، وخدمت نفسه صورتها في مرآة الخلق.

ولقد كان من عباد الله من إذا رأى إقبال الناس عليه، خاف على قلبه أكثر مما يفرح بحسن ظنهم به. لأنه يعلم أن النفس إذا لم تكسرها الحكمة، رفعتها الغفلة حتى تظن أنها شيء، وهي عند التحقيق أفقر الأشياء وأضعفها. وربما أورثتها الوجاهة بين الخلق نسيان ذلها بين يدي الحق، فيفسد عليها ما ظنه الناس صلاحا، ويهدم من باطنها ما زينه ظاهرها.

ومن أجل ذلك كان بعض أهل الصدق يفرون من مواطن التعظيم إلى مواطن الخمول، ويقصدون مواضع الانكسار قصدا، لا زهدا في الخلق، ولكن تربية للنفس، حتى لا تستقر فيها أوهام الاستحقاق. لأن النفس إذا ذاقت حلاوة المدح، احتاجت إلى دواء مر. وإذا وجدت في التعظيم لذة، لم ينفعها إلا أن ترد إلى موطن تكره، حتى تعلم قدرها، وتبصر حقيقتها، وتعلم أن رفعتها بالله لا بصورة الناس عنها.

وهكذا يفهم سر من يجلس مع الفقراء والمساكين، ويفترش الأرض معهم، ويشاركهم ما يوضع بين أيديهم من طعام، مع قدرته على أن يظل في صورة الوجيه المهاب. فليس ذلك خروجا عن الوقار، كما يظن أهل الظاهر، ولكنه دخول إلى باب المعرفة بالنفس. لأن النفس تكره المواطن التي لا حظ لها فيها، وتنقبض من الأحوال التي تسقط عنها دعوى التميز. فإذا ألزمها العبد تلك المواطن، وأذاقها مرارة الانكسار، تعلمت أن تنزل من عليائها الموهومة، وعرفت أن شرفها ليس بما يراه الناس، بل بما يراه الله من صدقها وتجردها.

وفي هذا المعنى سر جليل، وهو أن مخالطة الضعفاء ترد القلب إلى أصله. لأن العبد إذا رأى أهل الحاجة، وتذكر فقر الجميع إلى الله، انكسرت في داخله أوهام التفاوت الكاذب. هناك يعلم أن الخلق وإن اختلفت صورهم ومراتبهم، فهم سواء في الافتقار إلى مولاهم، لا يستغني منهم أحد عن رحمته، ولا يقوم أحد بنفسه دون معونته. فالغني مفتقر، والوجيه محتاج، وصاحب المنبر والمسكنة سواء في باب العبودية، وإنما تتفاوت المقامات بما في القلوب من صدق وإخبات.

وليس المقصود من مجاهدة العجب أن يذل العبد نفسه رياء، أو يطلب صورة التواضع كما يطلب غيره صورة الرفعة، فإن هذا باب آخر من أبواب النفس. وإنما المقصود أن يردها إلى الحق، وأن يمنعها من الوقوف مع حظها، وأن يحملها على شهود المنة بدل شهود العمل. فإذا شهدت النفس أن كل خير فيها فضل محض، وأن كل قبول إنما هو ستر من الله، وأن كل اجتماع للناس حولها قد يكون فتنة لا كرامة، سلمت من كثير من آفات الباطن.

فإياك والعجب، فإنه نار خفية تأكل العمل من داخله، كما تأكل الأرضة الخشب المصمت، فلا يرى الناظر فساده حتى ينهار. ورب طاعة عظمت في عين صاحبها فصغرت عند الله، ورب عمل خفي صحبه انكسار وافتقار فكان عند الله أعظم قدرا وأبقى أثرا. ومن أراد السلامة، فليلزم باب الذل، وليؤثر شهود التقصير، وليكثر من النظر إلى عيوب نفسه، فإن النفس إذا عرفت حقيقتها سكن طغيانها، وإذا ذكرت أصلها خمدت دعواها.

ومن لطف الله بالعبد أن يفتح له بابا يكسر به عجب نفسه قبل أن يفسد قلبه. فالسعيد من بادر إلى إطفاء هذه النار قبل استفحالها، وعالج نفسه بالقهر المشروع، وحملها على ما تكره إذا كان فيه صلاحها. لأن النفس إن لم تذللها المجاهدة، أذلتك الدعوى. وإن لم تكسرها الحكمة، كسرك البلاء. فاختر لنفسك ذل العبودية، قبل أن تبتلى بذل السقوط. ومن عرف قدر نفسه، عرف قدر ربه، ومن سقط العجب من قلبه، صح له باب القرب، وتم له معنى العبودية.

20/04/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *