حين يبيع القرار نفسه…

حين يبيع القرار نفسه…

كيف تتحول الصفقات العمومية إلى غنيمة خاصة؟

في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها العديد من الدول، برزت إشكالية خطيرة تتعلق بتداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، حيث أصبح بعض رجال الأعمال يستغلون قربهم من مراكز القرار داخل المؤسسات الحكومية النافذة لتوجيه الصفقات العمومية والاستثمارات الخارجية وعمليات التصدير نحو شركاتهم، في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول مصير الأموال التي تخزن بالأبناك في الخارج و شفافية الحكامة ونزاهة المنافسة.

إن الصفقات العمومية، باعتبارها أداة أساسية لتنفيذ المشاريع التنموية وتدبير المال العام، يفترض أن تخضع لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص. غير أن الواقع في بعض الحالات يكشف عن ممارسات ملتوية، تبدأ من تفصيل دفاتر التحملات على مقاس شركات بعينها، وصولاً إلى التأثير غير المشروع على لجان التقييم والإسناد.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في كونها لا تقتصر على الإضرار بالمنافسة الشريفة فحسب، بل تمتد آثارها إلى إهدار المال العام، وتعطيل الكفاءات الحقيقية، وتكريس اقتصاد الريع على حساب المبادرة والإبداع. كما أنها تساهم في تقويض ثقة المواطن في المؤسسات، وتضعف جاذبية الاستثمار في بيئة يغيب فيها تكافؤ الفرص.

في الظاهر، تُقدَّم الصفقات العمومية باعتبارها أداة لخدمة الصالح العام، وآلية لضمان توزيع عادل وشفاف لموارد الدولة. لكن في بعض السياقات، تتحول هذه الصفقات إلى مسرح خفي تتداخل فيه المصالح، حيث يتزاوج المال بالسلطة في علاقة معقدة تُنتج ما يمكن تسميته بـاقتصاد النفوذ.
المشكلة لا تبدأ عند توقيع العقد، بل قبل ذلك بكثير؛ حين تُفصَّل دفاتر التحملات على مقاس شركات بعينها، أو حين يُقصى المنافس الحقيقي بطرق ملتوية. هنا لا يعود التنافس قائماً على الكفاءة أو الجودة، بل على القرب من دوائر القرار. وهكذا، يصبح الفوز بالصفقة نتيجة علاقات لا نتيجة قدرات.

تتخذ هذه الظاهرة أشكالاً متعددة: من تضارب المصالح الصريح، حيث يكون المسؤول وصاحب الشركة شخصاً واحداً أو مرتبط بشكل غير مباشر، إلى شبكات الوساطة التي تُعيد توزيع الأرباح مقابل تسهيل الإجراءات. وفي حالات أكثر تعقيداً، تُستخدم شركات واجهة لإخفاء المستفيد الحقيقي، مما يجعل تتبع خيوط الفساد مهمة شبه مستحيلة.
النتيجة ليست فقط هدر المال العام، بل أيضاً إضعاف الثقة في المؤسسات. فعندما يدرك المواطن أن المشاريع تُمنح بناءً على الولاء لا الكفاءة، يتآكل الإحساس بالعدالة، وتُقتل روح المبادرة لدى الفاعلين النزيهين. كما أن جودة الخدمات والبنية التحتية تتدهور، لأن الهدف لم يعد الإنجاز بل اقتسام الكعكة.

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإرساء قواعد الحكامة الجيدة، من خلال تعزيز استقلالية أجهزة الرقابة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد آليات رقمية شفافة لتدبير الصفقات العمومية تقلل من التدخل البشري وتحد من فرص التلاعب.
كما أن دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام يظل محورياً في كشف هذه الممارسات، ورفع الوعي بأهمية حماية المال العام، إضافة إلى تشجيع ثقافة التبليغ عن الفساد وحماية المبلغين.

في النهاية، يبقى الرهان الأساسي هو بناء منظومة متكاملة تقوم على النزاهة والشفافية، حيث لا يكون القرب من مراكز القرار وسيلة لتحقيق الامتيازات، بل يكون القانون هو الفيصل الوحيد بين جميع الفاعلين.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *