من التفسير الى التبرير

من التفسير الى التبرير

نوافذ في صدق المعنى 3

عتبة كلامية : حين يبدأ المعنى بالارتباك

          المختار عنقا الادريسي

لا أعتقد أن كل رحلة في عالم ” الفهم ” هي بريئة ، كما قد يظن الجميع . فبين لحظات السؤال عن ( لماذا يحدث هذا ؟ ) ، واللحظة التي نهمس فيها بذاك الصوت الخفي ( ألم يكن ممكنا غير هذا الذي حدث ؟ ) . ينزلق شيء خفي فينا، ويتراوح جيئة وذهابا بين البحث عن المعنى والبحث عن المخرج. فنقبل في البدء على التفسير باعتباره فعلا معرفيا نزيها، ونحمَّله كل ما لا يحتمل، بهدف أن : يطمئننا … يبرئنا … يعيد ترتيب كل الأمور وفق هشاشتنا وتصوراتنا ومنطق دواخلنا المضطرب. فيتحول السؤال من أفق مفتوح الى أجوبة مغلقة على مقاساتنا.
وفي هذه المسافة الملتبسة، تُولَد الحاجة الى التأمل: لا لنفهم ماحدث فقط، بل لنستنبط كيف نفهم … ولماذا ننحاز؟

النافذة الأولى : حين نبدأ بالفهم … لا بالحكم

قبل أن تتدخل الرغبات، وقبل أن تتشكل المواقف نكون أمام لحظة نادرة، يكون فيها العقل أقرب الى الصفاء. وخلالها لا نسأل لنُدِين، ولا لأن ندافع، بل لأن في داخلنا رغبة ملِّحة وأصيلة للفهم يكون من خلالها التفسير بعيدا عن أي موقف، لأنه حالة إنصات. إنصات لما :
تقوله كل الوقائع المتناسلة حين نكف عن مقاطعتها.
تقترحه الأسئلة حين تفتقد للأجوبة المنتظرة والجاهزة.
انه أشبه ما يكون بوقفة مع الذات وداخلها، وقفة نعلّق فيها أحكامنا ونؤجل انحيازاتنا، فنمنح العالم فرصة أن يكتشف نفسه … كما هو كائن لا كما نريده أن يكون. غير أن تلك اللحظة رغم نقائها وصفائها، تبقى هشة بطبيعتها. اذ سرعان ما يتسلل إلينا عبرها قلق خفي، قلق من أن يقودنا ” الفهم” إلى ما لا نرغب فيه، الى اكتشافات تُربِك صورتنا عن أنفسنا، أو تُسْهم في زعزعة يقينا بنيناه طويلا بالصبر والمحبة. ومن هذا المنطلق يبدأ التفسير في ركوب سِفْرِ ودوامة التغير، حتى دون أن ننتبه.

فبدل أن نظل في موقع السائل، نجد أنفسنا وقد بدأنا في البحث عن أجوبة مريحة.

وبدل أن نصغي ، نكون أمام اختيار لما نريد أن نسمعه.
وحتى بدل أن نكتشف المعنى، نشرع – وبكل هدوء – في تشكيله.
وهكذا نجد أنفسنا أمام واجهة يفقد فيها التفسير براءته الأولى، ويتحول من “رحلة نحو الحقيقة” الى”عملية انتقاء لما يناسبها منها”. وهنا تقف أمامنا الأسئلة التالية :
– الى أي حد يمكن أن نحافظ – بشكل دائم – على تلك اللحظة النقية؟
– كيف يمكن أن نستعيدها كلما تذكرنا أن الفهم الحقيقي يتطلب منا أن نكون صادقين؟
خاصة وأن أول شروط كل تفسير نزيه ليس هو الذكاء، بل القدرة على تحمل ما يكشفه لنا الفهم، حتى حين لا يرضينا ….

طنجة في 6 .5 . 2026

يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com