سلسلة قصصية

سلسلة قصصية

تعيش الحكومة !

      منير لكماني

يحكى أنه كان في مدينة أثقلها الغلاء، حتى ضاق العيش بأهلها، رجل يدعى سالم، يعيش مع زوجته في حال من الكفاف لا يترك للمرء من الدنيا إلا ما يقيم به يومه.

وكان سالم من أولئك الذين لا يحلمون كثيرا، لأن كثرة الحلم في زمن الفاقة نوع من الترف. فإن ظفر برغيف حمد الله، وإن وجد إداما ظن نفسه قد صافح النعيم من طرفه، وإن عاد آخر النهار بشيء يؤكل، نظر إلى بيته نظر الفاتح العائد بالغنيمة.

وفي يوم من الأيام، وبعد طول عناء عند البحر، رزقه الله سمكة كبيرة، تتلألأ في يده كأنها وعد كريم نزل متأخرا. فتهلل وجهه، وانتفخ صدره بشيء من الزهو، ومضى إلى داره مسرعا، كأنما يحمل ميزانية دولة لا سمكة صياد فقير.

فلما دخل على زوجته، رفع السمكة أمامها وقال في نبرة من ظفر بفتح مبين: “خذيها، واقليها لنا. الليلة سنأكل أكلا ينسينا ما فعلته بنا الأيام.”

نظرت المرأة إلى السمكة، ثم إلى زوجها، ثم إلى المطبخ الذي يعرف من الفقر ما لا تعرفه القصور، وقالت في هدوء من اعتاد الاعتذار عن عجز ليس من صنعه: “نقليها بأي شيء يا سالم؟ الزيت مفقود، وكأن البلاد أعلنت الحرب عليه.”

سكت الرجل قليلا، ثم قال وقد هبط سقف أمله درجة واحدة: “حسنا، اشويها. النار لا تحتاج إلى زيت.”

فابتسمت المرأة ابتسامة مرة، وقالت: “وعلى ماذا أشويها؟ المشواة مكسورة، والحطب صار يباع كما يباع العطر، بالقطرة والنظرة.”

حك الرجل رأسه، وأخذ يفكر كما يفكر وزراء الأزمات حين يكتشفون أن المشكلة أكبر من الخطاب، ثم قال في آخر ما بقي له من حسن الظن: “إذن اسلقيها. الماء لا يزال ينزل من السماء مجانا، أليس كذلك؟”

عندئذ انفجر ما كان في صدر المرأة من صبر مؤجل، وقالت وهي تشير إلى الموقد البارد:  “أسلقها بماذا يا رجل؟ بالوعود؟ بالتصريحات؟ بالنيات الحسنة؟ لا غاز عندنا، ولا فحم، ولا شيء سوى هذا الصمت الذي يملأ البيت أكثر من الأثاث.”

وقف سالم ساكنا لحظة، والسمكة في يده، كأنها تسخر منه بلمعان جلدها. ثم التفت حوله، فرأى بيتا لا ينقصه الجوع وحده، بل تنقصه أيضا الوسائل التي تجعل الجوع قابلا للتفاوض. لا زيت، لا مشواة، لا غاز. حتى الطبخ نفسه صار من الكماليات، كأن الفقراء مطالبون بأن يأكلوا على سبيل المجاز.

خرج الرجل من بيته والسمكة في يده، يجر قدميه جرا، وكأنه يحمل تقريرا رسميا عن حال البلاد. سار حتى بلغ البحر، ثم وقف عند الشاطئ طويلا، ونظر إلى السمكة، وقال في مرارة من فهم الدرس متأخرا: “أما أنت فبقي عليك أن تعيشي، لأننا نحن لم نعد نملك من الحياة إلا اسمها.”

ثم رماها في الماء.

ما إن لامست السمكة البحر حتى دبت فيها الروح، واستدارت حول نفسها في نشوة النجاة، ثم أخرجت رأسها من الماء وهتفت بأعلى صوتها: “تعيش الحكومة!”

تجمد سالم في مكانه، وحدق في البحر كما يحدق المواطن في نشرة الأخبار حين يسمع أن الأوضاع ممتازة وهو يتعشى على الفراغ. ظن أول الأمر أن الجوع قد عبث بعقله، أو أن الشمس أوقدت في رأسه هذيانا، لكن السمكة كانت قد قالتها بوضوح لا لبس فيه، ثم اختفت في الماء كما تختفي الحقيقة في آخر المؤتمر الصحفي.

عاد إلى بيته خالي اليدين، إلا من جملة بقيت عالقة في أذنه كالمسمار: “تعيش الحكومة.”

فلما رأته زوجته بلا سمكة، قالت: “أعدتها إلى البحر؟”

فجلس على العتبة وقال: “نعم. وقد كانت أكثر وفاء من بعض الناس.”

قالت المرأة متعجبة: “وكيف ذلك؟”

قال: “لأنها عرفت من أنقذها.”

ثم سكت قليلا، وأردف في سخرية سوداء: “يبدو أن الحكومة عند السمك أرحم منها عندنا. نحن لو بقينا في البحر لعلنا وجدنا ما نأكله.”

قالت المرأة: “وماذا قالت؟”

قال وهو يضحك ضحكة تشبه الشرقة: “هتفت: تعيش الحكومة.”

فهزت المرأة رأسها وقالت: “طبيعي. فالسمكة نجت من المقلاة، ونحن لم ننج من شيء. هي رأت الحكومة من جهة الرحمة، ونحن رأيناها من جهة الفاتورة.”

ثم أضافت وهي تنظر إلى الموقد الخالي: “كل مخلوق يمدح من يناسب حاله. السمكة تمدح لأنها عادت إلى الماء، ونحن لو وجدنا قارورة زيت لهتفنا للزيت، ولو اشتعلت المشواة لهتفنا للفحم، ولو جاء الغاز لرفعنا له تمثالا عند باب البيت.”

ومنذ ذلك اليوم، صارت الحكاية تروى في المجالس كلما اشتد الغلاء، وقل الزيت، وغاب الغاز، وارتفعت الخطب وانخفضت القدرة على القلي والشواء والسلق معا. فإذا سمع الناس مسؤولا يحدثهم عن التحسن القريب، تذكروا سمكة سالم، وقال بعضهم لبعض: “ما دام المواطن لا يقدر حتى على طبخ رزقه، فالسمك وحده من حقه أن يهتف: تعيش الحكومة.”

ثم صار المثل أشد تداولا في زمن الشعارات، فقيل: “إذا عجز الفقير عن قلي السمكة وشوائها وسلقها، فاعلم أن البحر صار أرحم من البر، وأن المديح لم يعد دليل رضا، بل قد يكون أحيانا صيحة نجاة من مخلوق أفلت من مطبخ الدولة.”

وقيل أيضا: “السمكة التي عادت إلى البحر هتفت تعيش الحكومة، لا لأنها أحبتها، بل لأنها لم تسكن بيتا فيه مطبخ.”

وهكذا بقي سالم كلما رأى موجة تضرب الشاطئ ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال: “سبحان من جعل السمك يشكر، وترك الناس بين جوع وصبر وتصفيق.”

فإذا سأله سائل: “أحقا قالت السمكة ذلك؟”

قال: “نعم، قالتها بملئ خياشيمها. فالناجي دائما أكثر حماسة من الغارق، والذي أفلت من القدر يرى الدنيا عدلا، أما الذي لا يجد القدر ولا ما يوقده، فلا يملك إلا أن يضحك… حتى لا يشتم.”

07/04/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com