اليوم العالمي للشعر..

اليوم العالمي للشعر..
العين الإخبارية

الشعر… لغة الروح حين تضيق الكلمات

            ذ. محمد بوفتاس

في اليوم العالمي للشعر، لا نحتفي بالكلمات بقدر ما نحتفي بذلك الارتعاش الخفي في أعماق الإنسان، حين تعجز اللغة العادية عن حمل ما يفيض في القلب، فيولد الشعر كضرورة لا كترف. إنه ليس مجرد بناء لغوي، بل هو لحظة انكشاف، لحظة يتعرّى فيها الوعي من يقينه، ويصير أكثر قربًا من ذاته، وأكثر إنصاتًا لما لا يُقال.
الشعر هو لغة الحواس حين تستيقظ، ولغة الروح حين تضيق بها المعاني الجاهزة. هو تلك المسافة الرقيقة بين ما نراه وما نشعر به، بين العالم كما هو، والعالم كما نحلم به. لذلك، لم يكن الشعر يومًا وصفًا للأشياء، بل كان دائمًا إعادة خلق لها، كأن الشاعر لا يكتب العالم، بل يعيد ولادته على إيقاع قلبه.
في التجربة الصوفية، يتخذ الشعر شكلًا آخر، أكثر شفافية وأشدّ عمقًا. يصبح وسيلة للعبور، لا للتعبير فقط. فالكلمات هنا لا تشير إلى المعنى، بل تذوب فيه. وكل بيت شعري هو محاولة للاقتراب من ذلك المطلق الذي لا يُدرك، ولا يُقال، بل يُذاق. كأن الشاعر، في لحظة الكتابة، لا يبحث عن الحقيقة، بل يذوب فيها، حتى لا يبقى منه سوى صدى.
ولعلّ أعظم ما يمنحه الشعر للإنسان هو أنه يحرّره من وهم الاكتمال. يذكّره أنه كائن ناقص، وأن هذا النقص ليس عيبًا، بل هو مصدر الجمال ذاته. فكل قصيدة هي اعتراف غير مباشر بأن هناك شيئًا ما لم يُفهم بعد، شيئًا يستحق أن يُقال، حتى لو لم يُقال تمامًا.
في زمن السرعة والضجيج، يبدو الشعر كفعل مقاومة هادئ. هو إبطاءٌ للزمن، وتأملٌ في التفاصيل التي نمرّ عليها دون أن نراها. هو دعوة للإنصات، لا للآخر فقط، بل للذات التي تتوارى خلف الأقنعة اليومية. وربما لهذا السبب، يظل الشعر دائمًا حيًا، حتى حين نظن أننا تجاوزناه.
اليوم العالمي للشعر ليس مناسبة عابرة، بل هو تذكير بأن الإنسان، مهما ابتعد عن ذاته، سيظل محتاجًا إلى تلك اللغة التي لا تشرح العالم، بل تمنحه معنى. لأن الشعر، في جوهره، ليس كلامًا جميلًا، بل طريقة في الوجود، ورؤية للعالم، ومسعى دائم نحو ما لا يُحدّ.
هكذا، يبقى الشعر منارة الفكر، لا لأنه يقدّم أجوبة، بل لأنه يفتح الأسئلة على اتساعها، ويعلّمنا أن نعيش داخلها، لا أن نهرب منها.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com