حكايا الصمت
بين الصمت والكلام … ميزان النضج
عتبة افتتاحية :
بعد مسار طويل بين مسارات الصمت، خَلُصْتُ الى أن الغاية ليست تمجيد الصمت في ذاته، ولا التقليل من شأن الكلمة، بل بلوغ الميزان الدقيق بينهما.لقد أشرت – في البوابات السابقة – الى أن الصمت قد يكون ملاذا من ضجيج العالم، واكتشفت أنه طريق سالك الى النضج وملامسة السيادة الداخلية، وأنه أداة لحماية المعنى في المجال العام، وأنه في زمن روحي – كرمضان – يتحول الى مدرسة للتوازن. غير أن هذا المسار الحكائي لا يمكن له أن يكتمل الا حين نفهم أن النضج الحقيقي لا يقوم على الصمت وحده. بل على القدرة على التمييز بين اللحظتين.
فالنضج اذن هو معرفة [ متى نصمت .. ومتى نتكلم ] وقديما قال أحد الحكماء: أن الكلمة إذا خرجت منك ملكتك، واذا لم تخرج ملكتها. ومن هنا بالضبط تأتي أهمية هذه البوابة من “حكايا الصمت”. وهي لا تدعو الى الصمت المطلق، ولا الى ركوب دوامة الكلام المنفلت، بل الى الوعي الذي يجعل من الصمت والكلام أداتين للحكمة المتكاملة.
1- النضج هو معرفة متى نصمت
من أولى علامات النضج أن يدرك الواحد منا أن ” ليس كل ما يقال يجب أن يقال”. وقديما كانت المرحومة والدتي تقول:【اللسان لا عظمة فيه 】بمعنى أن الكلام قد ينساب دون حواجز للمراقبة. ولذلك فالكلام السهل كثيرٌ، لكن الكلمات الحكيمة … المتزنة تبقى قليلة. وكلما تقدم الانسان في التجربة الحياتية أدرك أن الصمت ليس ضعفا كما قد يظن البعض، بل قد يكون أعلى درجات القوة الداخلية. ومنه نخلص الى أن الصمت في الكثير من الأحيان هو :
* احترام للذات قبل الآخر
* حماية للعلاقات الانسانية
* وقاية من نزاعات مجانية
وقد أدرك الحكماء هذه الحقيقة منذ زمان قد ولى، واعتبروا أن الصمت ليس ضعفا، بل حكمة تمنح الفكرة وقتها لكي تنضج . وهو شبيه بما أشار إليه ” لقمان الحكيم ” عندما قال:【 اذا كان الكلام من فضة ، فالسكوت من ذهب 】، غير أن هذا الذهب لايُكتشف إلا بعد تجربة طويلة مع الكلام الزائد … الفاقد للمعنى، أو الذي يضعفها .
2- النضج هو معرفة متى نتكلم
منذ البدء نقول أن الصمت في غير موضعه، قد يتحول الى تقاعس، ففي بعض المواقف/ اللحظات يصبح الكلام واجبا، ليس دفاعا عن الذات فقط، بل من أجل الحقيقة. ومع ذلك يستوجب منا القول أن الصمت ليس فضيلة في كل الأحوال. فهناك صمت يتحول الى تواطئ مع الخطأ، أو هروب من المسؤولية. ولهذا فإن النضج الحقيقي لا ولن يكتفي بالصمت
بل يعرف أيضا لحظة الكلمة الضرورية. لأن الكلمة في موضعها ووقتها تكون :
* دفاعا عن الحق … الصدق … الموقف.
* مساندة المظلوم … نُصْرته .
* إضاءة لطريق غامض وحقيقة مغيبة .
وقديما نبَّه ” مارتن لوتر كبنغ ” الى أن المأساة لا تكمن فقط في صخب الظالمين ، بل في صمت القادرين على قول الحق .
ومن هنا يظهر الوجه الحقيقي للنضج ،
وهو المنطلق من القدرة على كسر الصمت حين يصبح الصمت نفسه ظلما . وهنا تستحضرني مقولة ” جبران خليل جبران”【 في الصمت كلام لا يسمعه الا من يعرف أهمية الإصغاء] . لأن العالم اليوم يحتاج الى موقف صريح وكلمة واضحة لا الى صمت جميل .
3- الصمت والكلام في زمن الضجيج العالمي
هي لحظة قصيرة ، تلك الفاصلة بين الصمت والكلام . لكنها اللحظة التي تَعْكس وتحدد مستوى النضج . وخلالها يفترض أن نسأل أنفسنا :
* هل نتكلم بدوافع الغضب أم بدافع الإصلاح ؟
* هل نصمت خوفا أم حكمة ؟ أم درءا لأي خلاف ؟
* هل كلامنا سيحدد معالم الطريق ويضيف نورا ؟ أم سيزيد من صخب الضجيج ؟
وتتعدد الأسئلة لتطوح بنا في زمن غير مسبوق من الضجيج الكوني الذي نعيشه اليوم . فوسائل الاعلام … شبكات التواصل … المنصات الرقمية … كلها حولت العالم الى فضاء مليء بالكلمات المتدفقة بدو توقف أو انقطاع . فصرنا نسمع – يوميا – الاف الكلمات ، وهي أسرع …أكثر …أقل معنى . قد يغدو معها الصمت فضيلة نادرة ، خاصة وأنَّا نعتبره مقاومة للضجيج اليومي ومحاولة لحماية ( المعنى ) وسط هذا السيل المتدفق من الكلمات العابرة .في عالم يندفع نحو أزمات كبرى وحرب تتسع رقعتها – يوميا – واستقطابات حادة . وقد يكون من الحكمة أحيانا أن نعيد الاعتبار لفضيلتين نادرتين تتحدان في:【الإنصات المعقلن … التروي المتزن 】
4- ميزان النضج في زمن الاضطراب
لقد غدا العالم المعاصر اليوم ، ميالا الى الصوت المرتفع، ومكافئا للحضور الصاخب بامتياز، وكأني به صار متناسيا للكلمة المتأنية. وفي مقابل كل ذلك فان الانسان الذي تمرَّس بالصمت، لا ينخدع بسهولة ذاك الايقاع. فما كان الضجيج يوما دليل قوة ولا عربون تفوق، كما أن الصمت لم يكن أبدا دليل ضعف أو انهزام.
وعادة مايظهر الفرق بوضوح في العلاقات الانسانية، بين الناضج والمتسرع. فالانسان المتسرع يتكلم … يحكم … يغضب … كل شيء عنده بسرعة . أما الإنسان الناضج المتزن فيحرص على أن يمرر كلماته عبر ميزان الحكمة. ويتساءل قائلا، قبل أن يصدر عنه أي كلام:
* هل ما سأقوله ضروري أن يقال؟
* هل ما أنا قائله مفيد ؟
* هل يندرج قولي في منظومة الإصلاح أم أنه سيفسد الوضع ويؤزمه ؟
فهذه الأسئلة وما يندرج في خانتها هي ما يصنع الفرق الكبير بين الكلام الحكيم والكلام العابر . وإذا كان البعض من الحكماء يقول بأن الصمت صديق لا يمكن أن يخون . فانا نرى أيضا أن الكلام يمكن أن يكون صديقا رائعا اذا هو خرج من قلب حكيم وعقل هادئ ولسان متزن .
5- الإنسان الناضج … سيد الصمت والكلام
في نهاية المسارالحكائي يتضح أن الصمت والكلام ليسا ضدين، بل هما وجهان لوعي واحد ،وطاقتان متكاملتان . فالصمت يحمي الدواخل ويهيء الافكار أما الكلام فيعبر عن الافكار ويمنحها الحضور المنسجم ، وبالتالي فهما متكاملان . وعند انفصلهما يختل الميزان ، فنكون أمام حالتين :
* صمت يُميت الحيوية ، يفضي الى الانغلاق .
* كلام يُنهي الحكمة ويحيل على التبديد .
لكن حينما يتناغمان يتولد الرشد . ذاك الرشد الذي يبقى هو الخيط الناظم لكل حكايا الصمت التي أخوض في نسج خيوطها ، وهو المتمثل في :
* صمت يحرر الانسان من الضجيج
* صمت يمنحه السيادة على ذاته
* صمت يعلم التوازن في الزمن الروحي
خاتمة تأملية :
قد لا يكون الانسان حكيما لأنه تعلم الكلام ، ولكن يصبح كذلك عندما يتعلم فن الموازنة بين الصمت والكلام . فالحياة لا تحتاج الى ضجيج اضافي بقدر ما تحتاج الى كلمات أقل … لكنها أصدق . وقد يكون النضج في النهاية هو إدراك أن : الكلمة الجميلة نور، والصمت الجميل حكمة، والانسان الناضج هو من يضيء هذا النور ويعرف متى يحفظ هذه الحكمة.
المختار عنقا الادريسي
