الاحتفالي وكرنفال الأزياء والأقنعة
أسوأ شيء، أن يكون الإنسان بعيدا عن نفسه…
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام:
يقول مولانا جلال الدين الرومي:
(فلا تشغل نفسك بمن هو قريب او بعيد عنك، الأرواح تعرف نفسها)
وبالنسبة للاحتفالي فإن أسوأ كل شيء، ان يكون الإنسان بعيدا عن نفسه، لأنه لا معنى لأن تكون قريبا من كل الأشياء، وان تكون بعيدا عن نفسك، ولا معنى لأن تعرف كل الناس وانت تجهل نفسك.
وقد يكون لك موقع ما في المجتمع، فتصبح أنت هو هذا الموقع، وخارجه لا يكون لك وجود، فتكون مجرد دور مسرحي في المسرحية الاجتماعية اليومية، فتكون انت المدير او انت الوزيز، ولا تكون أنت الإنسان، وبذلك تكون بعيدا عن نفسك، وتكون غريبا عن حقيقتك، وبذلك تصبح انت ليس هو انت، وقد يكون لك زي القاضي وانت جلاد، وقد ترتدي زي الراهب، وما انت براهب، وقد تظهر للناس وانت في ثوب العالم، وأنت أجهل كل الجاهلين في مملكة رب العالمين
وانا الاحتفالي لا أملك إلا وجها واحدا، وهو كاف وزيادة، وليس لي في صدري إلا قلب واحد، وهو كاف وزيادة وليس لي في راسي إلا عقل واحد وهو كاف وزيادة، ولقد تعودت ان أظهر للناس بوجهي هذا، مهما اختلفت المناسبات والسياقات، لأن وجهي يظهر ما في قلبي، ولأن هذا الوجه هو شرفة الروح، ومنها أطل على الناس وعلى العالم
إن كل الأقنعة كاذبة، هكذا يقول الاحتفالي، وقد تكون بعض الوجوه جميلة، او مجملة، ولكنها لا يمكن ان تكون اكثر جمالا من وجوه الصادقين ومن ارواح الصادقين
وهذا الإنسان الذي يسعدنا شرف الانتماء اليه ماذا يكون؟
هو كائن اجتماعي وثقافي متحرك، وهو حياة وحيوية، وبهذا فهو ليس صخرة جامدة، وليس صنما، وليس دمية، وليس زيا من الأزياء وليس قناعا، وهو بالأساس فيض حالات وفيض مقامات وفيض خيالات
وهذا الإنسان، في حقيقته، هو وجه واحد واڨنعة كثيرة جدا، وأما الوجه فهو هبة من الله، وأما الأقنعة فهي هدية مسمومة، وهي مفروضة فرضا من هذا المجتمع، حتى يرضى عنا مولانا المجتمع، ومن أراد ان يرضى عنه المجتمع، وان يقدم في مقابله تنازلات، فقد ضيع نفسه، وضيع حقيقته
وهذا المجتمع، ماذا يمكن ان يكون سوى انه حفل كرنفال، البطل في هذا الحفل هو الخياط مظلوم بن ظالم، والناس في هذا الحفل مجرد عارضين للأزياء، والتي هي أزياء مؤقتة في استعراض مؤقت، وهذا ما اوضحته في مسرحية ( فاوست والأميرة الصلعاء) حيث تريد الشخصيات المسرحية ان تلعب بالأزياء لعبة بريئة، فتكون النتيجة ان تلعب بها تلك الأزياء لعبة ماكرة
وانا في هذا الاحتفال الكرنفالي، هو ذلك المسرحي الاحتفالي، لا تخدعه ازياء بعض الناس، ولا تخدعه ادوارهم المؤقتة في المسرحيات الاجتماعية الموقتة
تتغير المواقع ولا تتغير المواقف
ولمن يسأل هذا الاحتفالي، عن موقعه وعن موضعه في المشهد السياسي المغربي والعربي و العالمي، فففد وجد هذا الاحتفالي يقول لمن يسأله ذلك السؤال الشائع والمائع والذي هو:
من انت؟ واين انت ؟ هل أنت يميني أم يساري؟ وهل انت معنا ام مع غانا؟
وفي جوابه، نجد هذا الاحتفالي يقول ما يلي:
سجل لديك، وبالحكي العريض، انا هو انا، سواء وضعتني في اليمين او وضعتني في اليسار ، فإنني لن اكون احدا آخر غيري انا.. انتهى الكلام
إن طريق هذا الوجود هو طريق واحد أوحد يا صاحبي؛ هكذا يقول لك المناضل الاحتفالي الذي يسكنني، والذي هو مناضل وجودي وليس أي شيء آخر، وفي هذا الطريق الواحد جوانب متعددة ومتنوعة كثيرة جدا، أي فيه يمين ويسار، وفيه وسط أيضا، وفيه بدء و ختام، وفيه منعرجات و منحدرات ومرتفعات، وفيه منعطفات و التواءات، وفيه فوق وتحت، وفيه الأمام والخلف، وفيه جسور للعبور، وفيه بيوت للإقامة، وبهذا فهو بدء جديد ومتجدد دائما، وفيه محطات واستراحات بعدد لا يحصى، وفيه علامات وإشارات، وأنا في هذه الطريق أمشي مع السائرين، إنني موجود في كل موقع، وأرى أنه بإمكاني، ومن حقي ايضا، أن أتموضع في كل موضع، وأن أكون في كل الأمكنة، وأن أكون هنا، وأن أكون هناك أيضا، في اليمين مرة، وفي اليسار مرة أخرى، وأن أكون مع هؤلاء اليوم، ومع أولئك الآخرين غدا، وأعتبر أن تغيير المواقع لا يعني بالضرورة تغيير المواقف، ولذلك، فسواء أكنت في اليمين أو كنت في اليسار أو كنت في الوسط، فإنني لا يمكن أن أقول إلا ما ينبغي أن أقول، ولا يمكن أن أكتب إلا ما ينبغي أن يكتب، ولا يمكن أن أفعل إلا ما ينبغي أن يفعل، أي ما يوافق العقل والعقلانية، وما يتناغم مع الحياة والحيوية، وما يرضي الحق والحقيقة، وما ينسجم مع روح الجمال ومع الجمالية، وما لا يخرج عن سياق هذه اللحظة الحية، وما لا يتعارض مع حقوق هذا الوطن وحقوق المواطن الإنسان فيه، وما لا يتنكر لروح التاريخ، ويبقى أن المهم، أو الأهم، هو ذلك الفعل- القول الذي لا يمكن أن يغضب الله.
وفي هذا الطريق الواحد الأوحد، يقول الاحتفالي أيضا، إنني (“أثبت على الثوابت دائما، وأسمح لنفسي أن أغير المتغيرات، وأن أتغير بها وفيها ومعها”، وأن أقول الكلمة التالية (“النهر لا يغير مجراه، ولكنه يغير مياهه”) وهل حياة الإنسان- في معناها الحقيقي – إلا نهر متدفق حياة وحيوية متجددة؟
الاحتفالي لا يلعن الظلام ..
حقا، إنني أكره الظلاميين، وأكره كائنات الظلام، وأكره سماسرة الظلام، ولكنني – بالمقابل – أعشق ظلام الليل، وأعشق هدوءه وسكونه، وذلك لأنه الوجه الآخر للنهار المشرق، وقد تخيفني هذه الظلمة أحيانا، وقد أخاصمها، ولكنني لا يمكن أكرهها أبدا، وبدلا عن كل شيء، فإنني آخذ بتلك الحكمة الشرقية المعروفة، وأوقد شمعة صغيرة ولا ألعن الظلام، وما ذنب الظلام حتى العنه؟ مع ان اجمل مسرحياتي كانت من وحي ومن إلهام هذا الظلام الشعري والسحري الجميل
في تلك المسرحية التي تحمل عنوان ( ابن رشد بالأبيض والأسود) نرى الفيلسوف ابن رشد وحده في الظلام، وهو يمسك بفانوس ويقول:
( هذا الظلام خصمي وعدوي، وهو يحجبني عني، ويبعدني عن نفسي، و يخفي عني كل صور الأشياء، وهذا الفانوس رفيقي وحليفي، ونحن معا، أنا وهو، نسعى نحوها، و نصعد إليها، وأسعد السعداء من أهل الدنيا، من يلقاها في يوم من الأيام)
هو يبحث عن الحقيقة إذن، تماما كما يبحث عنها كل الاحتفاليين الصادقين في العالم، وهو في هذا البحث يعرف بأنها كائنة وموجودة، وأنها مختبئة في رحم الظلمة، وأنها تحتاج إلى شيء من صفاء الروح، وإلى شيء من نور العقل، قبل نور القنديل، وتحتاج إلى شيء آخر من نور اليقين، وتحتاج إلى من يؤمن بها أولا، وإلى من يسعى إليها ثانيا، ولمن يطلبها، حتى ولو كانت في أقصى بلاد الصين، أو كانت في أعمق أعماق النفس والروح، وكانت في الأحلام والأوهام وكانت خارج كل الأمكنة والأزمنة، وكانت خارج كل الأبعاد والمسافات، وخارج كل الأشياء وكل الأسماء والمسميات
أما هذا الليل، الجامع لكل الألوان، فهو صديقي ورفيقي، وهو يعرفني كما أنا اعرفه، وهو رفيق كل الحالمين والعاشقين والمتأملين، ولي فيه مواويل مسرحية كثيرة، من بينها موال مسرحي اسمه ( يا ليل يا عين) والذي قدمه ـ ذات موسم مسرحي ـ مخرج مسرحي متألق اسمه عبد المجيد فنيش، وصادره وزير لا أذكر اليوم اسمه، ربما لأنه كان مجرد دور في مسرحية، ولقد نزل الستار واطفئت كل الأضواء، وعاد كل واحد إلى حقيقته وحجمه
أما في تلك (المقامات البهلوانية) فقد قال البطل العاشق في الظلام ( هذا الظلام الأسمر يا قمرية يغري بالنوم، وهذا الليل يحرض على اقتراف الأحلام) وشيء مؤكد، أن اقتراف الأحلام الجميلة والبريئة لا علاقة له باقتراف الجرائم والآثام.
في هذا العالم أمكنة متعددة، بعضها أقرب من بعض، أو أبعد من بعض، والقرب والبعد مسألة نسبية بكل تأكيد، وفيه فضاءات كثيرة جدا، وفيه جهات أربع، تهب منها الرياح الأربع، وفيه الأقرب والأبعد، وفيه الأعلى والأسفل، وفيه الأمام والخلف، ولقد اخترت أن أكون أماميا دائما ـ نسبة إلى الأمام ـ وأن أكون في الطليعة، لأنني أعتقد أن المتخلفين سيعاقبهم التاريخ غدا، وفي هذا العالم تضاريس
متنوعة أيضا، ولكن ليس فيه إلا سماء واحدة، وليس فيه غير شمس واحدة، وأن هذه الشمس تشرق على كل الناس، وتشرق على كل البلدان، وتشرق على كل الأزمان، ومهما اختلفت لغاتنا وثقافاتنا، فإن هذه السماء الواحدة تجمعنا كلنا، وأن هذه الشمس هي شمس الجميع، وليست شمس هذا دون ذاك، أو شمس هذا البلد دون غيره من البلدان الأخرى .. كما ان شمس الحقيقية لا تشرق على الغرب وحده، ولا على الشرق وحده، ولكنها تشرق على كل الدنيا
وقدري، انا الاحتفالي، انني في هذا الطريق الوجودي أمشي دائما. إني أمشي ولا ألتفت إلى الخلف أبدا، ومن الممكن أن ألتفت إلى اليمين مرة، وإلى اليسار مرة أخرى، من غير أن يكون معنى ذلك، انني يميني او يساري، إنني لا أمشي إلا إلى الأمام، ولا أنظر إلا إلى الأمام، وفي هذا المعنى أقول دوما، ما هو جانبي وعرضي لا يهمني، وما هو هامشي لا يعنيني، وما هو نسبي لا حكم لي عليه، ولا سلطة له علي، إنني أمشي إلى الأمام نعم، ولكنني لا أتوقف لحظة واحدة عن النظر إلى ما وقع في الخلف، وإلى ما يمكن أن يقع عن يميني وعن يساري. إنني أنظر إليه وهو أمامي وليس خلفي، وأحاول أن أقرأ مشاهده في مرآة سحرية لها موقع داخل ذاتي ونفسي؛ مرآة يمكن أن نعطيها نفس اسم تلك المرآة الصغيرة التي تكون أمام السائق في السيارات، والتي يمكن أن يكون لها ـ في مجال الإدراك الحسي والعقلي والوجداني ـ نفس المهمة والدور، وأن تكون هي الرطروفيزور النفسي والذهني والوجداني أو الرطروفيزور التاريخي، ولا أظن أن هناك من يجادل في الحقيقة البسيطة التالية، وهي أن وجود هذه المرآة لا يعني السير إلى الخلف، ولا يعني أن هذا السائر إلى الأمام يمكن أن يغفل عما يجري خلفه، وعما يقع عن يمينه وعن يساره، وعما يمكن أن يكون له وجود فوقه أو تحته، أو يكون قريبا أو بعيدا عنه.. وفي علم التاريخ ينظر المؤرخ إلى الماضي حتى يعرف المستقبل
عالم الفيزياء إنشتاين له كتاب عنوانه ( كيف أرى العالم) ومن حق كل واحد أن تكون له رؤيته الخاصة إلى هذا العالم، حتى من غير أن يكون عالما فيزيائيا بالضرورة، أو أن يكون عالما في العلوم الإنسانية. إن هذا العالم واحد إذن، ولكن العيون فيه متعددة، وزوايا النظر إليه مختلفة، والنوافذ المفتوحة فيه والمطلة عليه عددها لا يمكن أن يحصى، و في مسرحية (المهرج الحكيم) سئل ذلك المهرج القزم عن وجه هذا العالم المتعدد الألوان والأصباغ فقال:
( وجه هذا العالم مثل وجهي.. وجه عمك المهرج هذا، أصباغه ظاهرة وحقيقته خفية)
الاحتفالية والدعوة إلى الارتقاء
(وهل هناك أصدق من الاحتفال للتعبير عن ثقافات الشعوب والأمم عبر التاريخ؟) هكذا صرح الاحتفالي في حواره مع الشاعر ياسين عدنان لحساب مجلة ( دبي الأدبية)
وهل هناك اجمل من ساعة هناء( لو تصفى لك تنسى معها الكون كله؟) كما تقول اسمهان في أغنية ( ليالي الأنس في فيينا)
وهذه الاحتفالية ليست وجهة نظر، ولكنها النظر كله، ومن كل الجهات ومن كل الزوايا ومن كل المواقع وبكل العيون الحسية والرمزية، االمزجودة والكائنة والممكنة الوجود
في هذه الاحتفالية شيء من كل شيء، ففيها ( شيء من الشك الديكارتي، وفيها شيء من النقد الكانطي، وفيها شيء من العقل لهيجل، وفيها شيء من النسبية لدى إينشتاين، وفيها شيء من إشراقات الصوفية، وفيها شيء من الحدس البرغسوني ) هكذا تحدث الاحتفالي المفكر في كتاب ( فلسفة التعييد في اليومي وفي ما وراء اليومي)
والأصل في هذه الاحتفالية هو الأعلى، وهو الأبعد وهو الغائب وهو المغيب، وهو الخفي، وهو الغامض، وهو المتخيل، وهو الموجود، في الطبيعة وفي ما وراء الطبيعة، وهو الموجود والممكن الوجود، وهو الواقع وما فوق الواقع او ما تحت الواقع
وبالنسبة للاحتفالي في ( الرحلة البرشيدية) فإن ( هذه السماء هي الأصل، وإليها تتجه الأشجار وهي تنمو، وإليها تتجه القامات وهي تتمدد، ومنها يتزل الوحي والإلهام، ومنها ينزل ماء الحياة)
ولعل اهم وأخطر ما يميز هذا الاحتفالي الأمامي، نسبة إلى الأمام، هو انه في كل مساره الوجودي، سواء في حياته او في حياة مسرحه، هو انه يدعو دائما إلى الارتقاء وإلى السمو، في الفكر والفن والعلم في الأخلاق وهل هناك في هذه الدعوة الصادقة ما يمكن أن يغضب جهة ما؟
ومتى كانت الدعوة إلى الصفاء والنقاء جريمة؟
وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي ( إنني) أدعو إلى الارتقاء دائما. أدعو إلى الارتقاء الحيوي وإلى الارتقاء الاجتماعي وإلى الارتقاء السياسي، وإلى الارتقاء الجمالي، إنه لا شيء يغريني ويغويني إلا الأعلى، وعندما أرفع بصري فإنني أرى السماء، وأرى أنها أوسع وأرحب من موقع قدمي.
