العنقاء الاحتفالية
تموت أو لا تموت؟
فاتحة الكلام

هناك في الناس من يبحث عن البدايات المؤسسة للحكايات الجديدة والجميلة، ويسعدني، انا الاحتفالي، لو اكون منهم ومعهم، وهناك في الناس أيضا، من يبحث عن النهايات التراجيدية فقط، وان يبحث عن الفراغ وعن الخواء وعن اللاشيء وعن اللامعنى وعن اللاجدوى، وان (يبشر) في كل وقت وحين بنهاية الوجود و بقيام القيامة، ومهمتي في هذه الاحتفالية هو ان اضيف حرفا في ابجدية الوجود، وان أوقد ڜمعة صغيرة، بدل ان العن الظلام..
ونحن بدأنا هذه الاحتفالية ونحن مجرد اطفال، و لحد هذا اليوم فإننا مازلنا مجرد اطفال، ومازلنا نقول ونكتب ان اجمل الاحتفاليات هي التي سوف تاتي، وان اصدق كل الاحتفاليين هم الذين سوف يأتون بعدنا.
نحن اسسنا لهذه الاحتفالية إطارها النظري، وكان هذا هو دورنا في التاريخ، ولو لم تقم نحن بهذا الدور اقام به غيرنا، وكان دورنا هو ان نقرا التاريخ، وان نشاغب التاريخ، ولقد كانت مهمتنا في التاريخ هي ان نضيف لهذا التاريخ القديم تاريخا جديدا، ولقد كنا في هذا الفعل مؤسسين، وكنا حالمين، وكنا مشاغبين، وكنا متفلسفين، ولقد جاءنا، ونحن نخطو الخطوة الأولى في مسيرة المليون خطوة، صوت او اصوات متعددة، من جهات متعددة (تتنبا) لنا بنهاية هذه الاحتفالية، وقد كان ذلك عند بدايتها، بل وحتى قبل بدايتها، لأن فعل الهدم، في الرؤية العدمية موجود قبل فعل البناء، والذي هو فعل سهل ولا يكلف اي مجهود فكري او عضلي، ويكفي أن ترفع في وجه كل اجتهاد جديد، فكري او جمالي او علمي كلمات صغيرة جدا، من مثل لا ولن ولا يمكن ولا وجود
ولقد (قتلت) مثل هذه الأصوات كل شيء جميل ونبيل في هذا الوجود، ابتداء من إشاعة موت الله، واقول قتلت، والصواب أن أقول بأنها حاولت فقط، وبان المحاولات كانت فاشلة، لأنها ضد منطق الوجود وضد منطق الحياة وضد منطق التطور والارتقاء
وموت الله عند الفيلسوف الألماني نيتشه مثلا، قد يكون معناه موت المرجعيات المطلقة وموت المبتافيزيقيات التقليدية، وفي الاحتفالية فإنه لا وجود في الوجود إلا ما هو موجود
وقال القائلون او (المتقولون) وكتبوا كثيرا عن موت الفلسفة، وكان من بين ما قالوا في هذا الموضوع ( اذا كان الموت حقيقة، فإن موت الفلسفة حقيقة ايضا)
حقا، قد تموت الفلسفة، في معناها المدرسي، ولكن هل يمكن ان يموت النظر العقلي؟ وهل يمكن ان يموت فعل التامل الحر؟
وهل يمكن ان يموت السؤال الفلسفي؟
كما لحقت إشاعة الموت كل الكائنات الحسية والرمزية معا، و كتبوا عن موت الإنسان وعن موت الكاتب وعن موت الكتابة، وانتهاء بنهاية العقل ونهاية التاريخ ونهاية المسرح ونهاية المسرحيين، ونهاية الكتاب الورقي، ونهاية عصر الكتابة والكتاب ونهاية الحكواتي الشعبي في الساحات وفي الأسواق الشعبية، ونهاية الراديو، ونهاية الاحتفال والعيد، ونهاية الاحتفالية و التعييد، ونهاية التنظير الفكري ونهاية عصر الكلمة وبداية عصر الصورة، و الدخول الى عصر ما بعد كل شيء .. أي ما بعد العقل، وما بعد الإنسان، وما بعد الدراما، وما بعد بعد الدراما، وما بعد الحداثة، وما بعد بعد الحداثة، و ما بعد كل شيء، وما بعد بعد اي شيء، وما بعد بعد بعد لا شيء..
من التأسيس إلى إعادة التأسيس
والاحتفالية هي البناء و التاسيس، وهي التفكيك وإعادة التركيب، ونعرف انه لا وجود لفعل التاسيس إلا مع وجود الحفر في الأرض، ونعرف ان من يسعى لأن يتمدد اكثر في السماء، فإن عليه ان يقف على ارض صلبة اولا، وان لا يقف على رمال متحركة، وان يتمدد في عمق هذه الأرض، حتى يمكن ان يتمدد راسيل والقيام في الفضاء ولعل هذا هو ما فعله التيار الاحتفالي، والذي لم ينطلق من فراغ، ولكنه انطلق مما هو كائن وممكن وموجود و محتمل الوجود، وذلك في بحثه عن مسرح جديد يمكن ان يكون له وجود في الآتي من الأيام والأعوام
يقول الاحتفالي في ( الرحلة البرشيدية) وهو يبحث عن الجديد في المدن الجديدة و يبحث عن الساعات الجديدة في الأيام الجديدة، و يبحث عن المعرفة الجديدة في العلوم والفنون الجديدة) يقول:
(نعم.. نعم.. أعرف أنكم لا تعرفون.. وكل ما أعرف أنا هو أنه مجرد محاولة للمعرفة، وأن الأساس دائما هو شرف المحاولة قبل كل شيء، إنه محاولة للقبض على عقارب الساعة التي لا تراها إلا عين الله، وهو رغبة حارة لاستعادة الزمن الضائع، أو المضيع، ولاشيء أجمل من الساعة الرملية إلا الساعة الضوئية، ولا شيء أخطر من الساعة الضوئية إلا الساعة الروحية، وهو أيضا نقطة للتلاقي.. تلاقي الأجساد والأرواح، في المدينة والقرية، وفي الساحة والملهى، وفي الحديقة والشارع، وفي المسجد والمقهى، وفي الحلم والوهم، وعند ملتقى الطرق المتعددة، والتي هي مفترقها في نفس الآن)
وما يهم الاحتفالي هو سؤال الوجود دائما، ويغيب في فكر الاحتفالية و فنها سؤال اللاوجود، وبدل أن يطرح الاحتفالي سؤال (اكون او لا اكون) فإنه يطرح السؤال التالي
(اكون او اكون او اكون او اكون الى ما لا نهاية؟)
الاحتفالية عنقاء مسرح الحياة
لقد انطلق هذا التيار الاحتفالي من ارض الثقافة المغربية العربية الامازيغية الإفريقية المتوسطية الموريسكية، وكان له ما اراد، و انطلق من ارضه ومن مناخه ومن لغاته ومن ثقافته، وهذا هو ما أعطاه شرعية الوجود وشرعية البقاء وشرعية التطور والارتقاء، وهو ما يجعلنا وسوف التساؤلات التالية:
ــ وهذا المسرح، الاحتفالي العلم والفكر والفن والصناعة والتاريخ والتراث، هل يمكن ان ينتهي في رمشة عين؟
ــ وهل يمكن لهذه الاحتفالية، الجديدة والمتجددة والمتجددة، والتي انتصرت للحياة والحيوية، يمكن ان تموت بسهولة، وبدون وجود ما يمكن ان يبرر موتها؟
ــ وهل يجوز الموت في حق هذه الاحتفالية، وهي التي انتصرت للإنسان، ولإنسانية الإنسان، ولكل القيم الإنسانية الجميلة والنبيلة؟
ــ وما الذي يمكن ان يبرر موت حركة مسرحية لا يتوقف فيها فعل التفكير, ولا ينتهي فيها فعل الاجتهاد، ولا يتوقف فيها فعل الإدهاس و الاندهاش؟
ــ وهذه الاحتفالية هي افكار رمزية خالدة، إلى جانب وجود اجساد إنسانية حية فيها، وما الذي يمكن ان يلحقه الموت فيها؟ هل أجساد أشخاص الاحتفاليين العابرين ام روح الاحتفالية الخالدة؟
واية احتفالية من الاحتفاليات المتعددة هي التي ماتت؟ احتفالية السبعينات من القرن الماضي، والتي أصبحت اليوم في ذمة التاريخ؟ ام هي احتفالية ما بعد الزمن الأيديولوجي؟ ام هي احتفالية الذكاء الاصطناعي؟ ام هي كل الاحتفاليات الجديدة والمجددة، وذلك على امتداد نصف قرن، والتي أصبح لها اليوم اسم واحد يجمعها، والذي هو الاحتفالية المتجددة؟
هذا المسرح الاحتفالي, والذي كلف الاحتفاليين نصف قرن من الكتابة المسرحية ومن التنظير الفكري ومن التجريب الفني ومن السؤال العلمي ومن النضال الوجودي ومن إعادة قراءة الموروث الاحتفالي الشعبي، مغربيا وعربيا، هل هذا الاجتهاد الجاد والمجدد، هل يمكن ان ينتهي بضربة سحرية؟
وهل يمكن ان ننسى أن هذا المسرح الاحتفالي، في صيغته الإغريقية الأولى، قد الهم علماء النفس، ابتداء من فرويد و عقدة اوديب و عقدة الكترا، وانه قد الهم ايضا علماء الاجتماع، والهم علماء التاريخ، وألهم الشعراء، والهم الصناعة السينمائية في العالم؟
ويروى عن وليام شكسبير أنه قال :
«الدنيا مسرح كبير، والناس ما هم إلا ممثلون يؤدون أدوارهم على هذا المسرح»
هذه العبارة “شكّلت الركيزة الأساسية لنظرية عالم الاجتماع الأميركي إرفنغ غوفمان الذي ينظر للتفاعلات اليومية في إطار المسرح”
والاحتفالية لا نراها في المسرح فقط، ولكن نراها في كل الفنون. ونراها في كل العلاقات الإنسانية الجميلة وفي كل البنيات الفكرية والاجتماعية والعلمية الجميلة
وعندما يغيب عبد السميع، في مسرحية ( اسمع يا عبد السميع) وعندما تخرج زوجته الخامسة لتبحث عنه، فإنها تجد وجهه في كل الوجوه التي تلتقي بها، ودائما يأتيها نفس الجواب ( إن من نحبه نراه في كل الوجوه) وكذلك هي الاحتفالية، موجود وجهها في كل الوجوه، وموجود روحها في كل الأرواح، وموجود جسدها في المدن، وكل ذلك بفعل العشق .. وماذا يمكن ان تكون هذه الاحتفالية سوى انها حلم حالمين وعشق عاشقين وبحث باحثين وسفر مسافرين و اجتهاد مجتهدين واعياد معيدين؟
الممثل الاحتفالي يحتفل ولا يمثل
هو موعد يتجدد، كل يومين او ثلاثة ايام، وفيه اطل على رفاق رحلتي الوجودية والاحتفالية، وفي هذه المقالات اقرا أكثر مما أكتب، وانصت لنبض الحياة والأحياء اكثر مما اتكلم، واسال و اتساءل أكثر مما اجيب، وفي كل مقالة اعرف نفسي اكثر، واعرف الاحتفالية أكثر، و تعرفني هذه الاحتفالية أكثر
هي مقالات يقرأ فيها الاحتفالي اسفار الحياة في المسرح، ويقرأ فيها أسفار المسرح في الحياة، وهو في هذه الرحلة اول المندهشين، وهو أول المكتشفين بان الاحتفالية مازلت بعيدة، وان طريقها مازال طويلا.
في هذه الكتابة أعيد كتابة الاحتفالية، ايمانا مني بانه لا وجود لفعل نهائي وكامل، وايمانا مني ايضا، بان ما قد يكون اليوم غامضا، قد يصبح غدا او بعد غد واضحا
والدكتور رمضان العوري، كاتب مسرحي و باحث مسرحي من تونس، يسعدني اهتمامه الكبير يراهن المسرح العربي ومستقبله أيضا، وفي تعقيبه على المقالة الماضية من هذه الكتابة. والتي كانت بعنوان (الممثل الاحتفالي.. الرسالة ويأتي البريد) يقول ما يلي:
( الممثل الاحتفالي مصطلح جميل، وذو مردودية و قد نجاعة دلالية عالية، ولكن يجب تحديده، فما هي ميزاته الحركية اساسا؟)
وفي الرد اقول له ( اهلا وسهلا اخي الدكتور رمضان العوري على مساهمتك في هذا الحوار العلمي والجمالي, واقول لك باننا امام اكثر من اسم واكثر من مصطلح وأكثر من عنوان، فهناك فعل الاحتفال، في معناه المعجمي، وهناك المسرح الاحتفالي، والذي هو جزء صغير جدا من فلسفة التعييد الاحتفالي، وهناك التمثيل المسرحي الاحتفالي، والذي لا يمكن ان نقراه إلا في ضوء المرجعية الفكرية والجمالية الاحتفالية، والتي هي أساسا فلسفة وجود، وهي نظام وجود، وهي منظومة فكرية وجمالية و اخلاقية متكاملة، وهي تركز على المواطن الحر في المجتمع الحر، والاحتفالية لا تبحث عن منهجية في الأداء المسرحي، ولكنها تبحث عن نظام وجود وعن نظام حياة، والممثل الاحتفالي لا يسأل كيف امثل، ولكنه يسأل كيف اعيش واحيا في إطار نظام ثقافي وفي إطار ثقافة عربية لها وجود في الفكر والعلم وفي الشعر وفي التاريخ ؟
والمرجع الفني للممثل الاحتفالي موجود لدى الحكواتي الشعبي، المغربي والمغاربي والعربي، ولدى هذا الحكواتي توجد الحرية والتلقائية وتوجد البساطة، وان وجود اية منهجية في المسرح الاحتفالي لا يمكن ان يكون لها معنى سوى معنى واحد، وهو انها مصادرة لحرية الحكواتي في ان يعيش جنونه المسرحي بحرية)
الاحتفالية فلسفة، وليست منهجية في تقنيات و آليات المقبل المسرحي، والممثل المسرحي ينبغي ان يمثل كما يعيش ويحيا، وان يتمثل ثقافته التي لها وجود في الاحتفالات وفي الأعياد، والتي هي وحدها لغته المسرحية الواسعة والصادقة والحقيقية..
