قصة قصيرة للأديب المصري مجدي شعيشع…
سيارة جاز..
هذا النص القصصي الفائز بالمركز الأول على الوطن العربي، ضمن الفريق المصري للقصة القصيرة عام 2023.
والقصة ضمن المجموعة القصصية بعنوان (الديوك ملة واحدة)
————-
دفعت أم حسن ابنها بوعاء فارغ، ليملأه جازاً من تلك السيارة المقلوبة على الطريق.
توعدته: لأذبحنك إن تأخرت!
خرج من البيت والنوم يمتطيه، يتحسس جدران البيت كقط يأنس بصاحبه، لا تدري من منهما يستند على الآخر، يجر بقايا جسده الرخو، فى إحدى ليالي الشتاء……
التي أرخى الظلام ستائره على بيوتها، شهقة رعب كلحن جنائزي تصُم أُذُن الليل وسكونه فيرتعش.
قبل أن يأوى الناس إلى فرشهم.
انفجر إطار سيارة نقل، فاستحال نباح الكلاب عواء، وتحركت المياه الراكدة في بِركة الصمت.
انتشر صدى الحادث بين البيوت، انتشار النار في الهشيم، اختلط صرير الأبواب بخشخشة النوافذ، وارتفعت الهمهمات متسللة من بين الجدران .
كانت السيارة محملة بخزان جاز يكفي لإضاءة قرية كبيرة بحجم قرية (ميت حديد). يتخبط الناس في الطرقات كعميان مغتربين، أصواتهم بالذكر والهمهمات تحدد المسافات بينهم.
حسن طفل نحيل، فى الثانية عشر من عمره، يغوص بين المارة من حوله ولا يرى أحداً، السماء تسقط كِسفاً سوداء تتعلق على الحوائط والنوافذ، فلم يجد أمامه إلا المسجد يلوذ به، قضى حاجته، توضأ، ثم صلى العشاء….
جفت فتائل قناديل القرية، إلا قنديل المسجد الذي بدا شاحبا كالمحتضر المتشبث بالحياة؛ تارة يفتح إحدى عينيه المرتعشتين، وتارة يكوّم ضوءه فى ركن قصي من المسجد، يرتجف إن لفحته أي نسمة، يتسلق جداراً باهتا تعلوه صفرة داكنة، يضيف إليه الجد قاسم مؤذن مسجد الوصيف بعض الماء، يطفو الجاز؛ فيستمر الفتيل فى الاشتعال.
الخوف يُفقد حسن القدرة على المشي، تتخبط ساقاه.
الطُرُق غارقة فى طوفان الظلام، والحارات مختنقة في وجه حسن، تتزاحم الخرافات وحكايات الرعب؛ يعيشها الآن حقيقة، يحبس أنفاسه تثقل خطاه، مرة يقرأ سورة من القرآن، ومرة يلعن الجاز ومن يطلبه.
الظلام أضيق زنزانة انفرادية على وجه الأرض، يتساوى داخلها الصالح والطالح، الكبير والصغير، خطوات حسن ثقيلة محاصرة بالرعب، مثبتة بوتد فى الأرض، أقصى أمنياته أن تهمد التهيؤات والوساوس التي تنبح فى أذنيه كالكلاب الشرسة، وهو يخطو بضع خطوات بسلام.
لا شيء يدغدغ أسوار العتمة غير التقاء الناس على هدف واحد، حُفر الشوارع تبتلع ساقيه المُرتجفتين، والكلاب النائمة فى عرض الشارع تنهش من يصطدم بها.
تقفز الأشباح على أكتاف حسن وتتراقص كالأفاعي، لا يستطيع الإسراع أو المشي ببطء، يقتات الظلام من خفقات قلبه، وتختمر مياسم الأمن فى بتلات الخوف.
تزدحم الطرقات بالملثمين، يستبيحون فى الظلام ما يستبيحه قِط جائع تحت مائدة متخمة…
الكل يحمل صفائح، يغدون بها لخزان الوقود فارغة، ويعودون بها ممتلئة، والأقوى من يكرر المحاولة.
لم تُرفع الحدود في زمن المجاعة يومًا.
يدور حسن فى نفس المكان، حافي القدمين، ولا يصل إلى منبع الجاز.
بنى الخوف لليأس تيهاً آخراً في عقله، وخارت عزيمته، والجوع نهش ماتبقى من قواه.
لاذ بدكان عطا، المُحاط بأفرع الشجر وأجولة الخيش الفارغة، تسلل بين أقفاص الفاكهة، تحسس الأنواع الطازجة، اختار أطيبها، غرس فيها أظافره وأنيابه حتى شبع، هدأ خفقان قلبه وتلاشى الفزع، أسند رأسه على ضباب الليل، شَعُر بالأمان؛ فنام،. .
أسعف أهل القرية السائق واطمأنوا عليه، ونقلوه فى مكان آمن، ثم نهبوا خزان الوقود كالجراد، يحطّ على الأخضر واليابس، اغتصبوا حقاً لم يكن لهم، تزاحموا على سيارة الجاز زحام الماعز التي جفت أكبادها على عين ماء، حتى سحبوا ما تبقى من الخزان.
لتبتلعه الصفائح فتبتلّ فتائل القناديل؛ وتعود الحياة للشوارع متوهجة تخترق الآفاق.
أزاحت خيوط الفجر عتمة الليل، ولم تزل أم حسن تقضم أظافرها بين خوف ورجاء، حتى وصل ابنها الضال يئن تحت ثقل الوعاء، والخيبة تثقل قدميه فيجرهما كالكسيح!
ساعدته جارتهم التي جاءت تهدئ من روع أمه، سقط الوعاء بين يديها، لم تجد أمه الجاز؛ سلم لها رقبته تسليم اليائس من الحياة، لم يقوَ على حماية وجهه النحيل من طواحين الهواء التي أهلكته….
صرخت بصوتها الخشن:
- أين الجاز ؟
رد بصوت متهدج من فرط الصفعات التي طحنته:
- وجدتُ على جانب الطريق سيارة مقلوبة، محملة بالبرتقال…
————
الجاز : هو الكيروسين مشتق من النفط، يستخدم للإضاءة.
—————
الكاتب مجدي شعيشع – مصري مقيم فى الكويت
