البطل بين أحلام اليقظة وقسوة الواقع
قراءة سيميائية في القصة القصيرة: (ابن الجنية)
للقاص المصري : محمد ياسين القطعاني

اكتست قصة: (ابن الجنية) دلالات جمالية، وقراءات عميقة تنطلق من الشخصية المحورية للبطل، نكتشف سماته وسلوكه وصراعه مع ذاته حتى نهاية القصة.
يظل المتلقي يتابع أحداث القصة، حركات البطل وأبعادها النفسية، فتتبلور علامات سيميائية في القصة منها:
– العنوان:
يُشكل عنوان القصة في شخصية البطل علامة خارقة ومدهشة للمتلقي ” هو المفتاح لسبر أغوار النص والتعمق في شعابه التائهة ودهاليزه الممتدة ” حمداوي ص: 49
(ابن الجنية) عنوان يدل على أن البطل ذو خِصال خارقة، وغريبة عن المألوف، نكتشف عبقرية البطل في ثنايا النص، لقد كان العنوان يدور في محوره، ويستنطق بأفعاله وحركاته وسكناته.
ـ أبعاد البطل:
تميز الأديب محمد القطعاني في رسم ملامح البطل، ووصفه ودلالاته النفسية والاجتماعية والعلمية، ورؤيته المكانية والزمانية في منظومة الإطار السردي الجميل نذكر منها:
البعد الجسدي:
أظهر النص علامات بارزة في رسم شخصية البطل:(عيناه غائرتان/ شعره طويل غير ممشط)، بدأ النص بأوصاف للبطل في مظهره، شكله، سلوكه، فقد كان الوصف الخارجي تهيئة للقارئ، ودلالة على طبيعة الشخصية المحورية، تقابله شخصية أخرى مختلفة عنه، هي شخصية أمل: (جمال وجه/ ثياب فاخرة/ عطور نفاذة ) ملامح مفارقة بين الشخصيتين.
اشتغل القاص على الوصف الظاهري كثيراً؛ ليشرك مشاعر المتلقي معه، ويبعث في نفسه روح التعلق بالنص، ومتابعة قراءة المشاهد الوصفية .
هذه المظاهر الخارجية شكلت الشخصيتين ودورهما في النص من جهة، وأظهرت اختلاف البيئة المكانية في القصة من جهة أخرى ، كان البعد الخارجي علامة نصية :(الاسم، الوصف، حيث يتحول إلى دلالات رمزية ) مؤثرة في القصة.
البعد النفسي:
أظهر القاص البعد النفسي لحالة البطل، فهو العاشق لزميلته في الدراسة، مغرم بحبها، ذلك الحب الصامت الذي يبوح فقط بالنظرات والمتابعة ومراقبة حركاتها، هذا الصراع النفسي جعل البطل يتعلق بالشخصية:( أمل) دون علمها وعدم إحساسها به ( فيبتسم ابتسامة الفرح المحزون)،ظهرت علامات الفرح عليه عند حضورها في القاعة، نلحظها نلحظها في (قصائده/ حركته)، ثم تطورت المواقف حتى صار عشقه لها ظاهراً أمام زملائه.
البعد الاجتماعي :
صور القاص اختلاف نمط البطل عن نمط حبيبته، كان الاختلاف رمزاً بين أهل الريف، و أهل المدينة (هو من قرية رابضة في عمق الريف) بينما ( هي من بنات المدينة المترفات) (شتان ما بين الثرى والثريا)، فجوة اجتماعية شكلت الصراع الداخلي للبطل.
سيميائية المكان:
الجامعة محطة اللقاء بين البطل وشخصية أمل، مكان مفتوح، ولقاء متنوع بعيداً عن إطار القيود الاجتماعية.
(القاعة): مكان مغلق يعج بالحدث، وتصاعد المواقف مع البطل
المكتب: علامة مضيئة اتخذها القاص كآخر رحلة للبطل،ومفارقة مدهشة للمتلقي: (مكتب حبيبته، لحظات ويكون في حضرتها).
امتزج المكان بالزمن، وتداخلت ضربات قلبه مع لحظات انتظاره وربط الماضي بالحاضر، واستيقظت المشاعر (شهق شهقة، ثم اغمض عينيه، وجه أمل آخر شيء شاهده) فارق الحياة عند مكتب حبيبته.
دهشة المتلقي تظهر في أخر سطر من حياة البطل، فمن الحب ما قتل، البطل رمزٌ لصدق العاطفة وعلامة التعلق بالمجهول الذي أصبح سراباً، كذلك رمز لصدق العاطفة ولصفاء النفس لدى أهل الريف، روح المدينةحاضرة في القصة، وكذلك احتراق الحب في ظل المادة وغياب المشاعر.
سيميائية اللغة:
انطلقت اللغة السردية من زوايا متنوعة أسهمت في جمالية السرد ودلالته اللغوية، وأعطت النص ملامح البلاغة العربية الرصينة بأشكال متنوعة.
لغة النص جميلة في إيقاعها، ونغمة أصواتها، ذكرتنا بمقامات (الهمذاني) وبراعته اللغوية، احتوى النص علىالانزياحات التركيبية والانزياحات الدلالية ( الطباق/التشبيه / /الاستعارات المتنوعة) ، المشاهد الحسية والانفعالية حاضرة في القصة في سياقها السردي، البصرية (الطلبة يتأملونها)، وحاسة الشم الرائحة(عطور نفاذة) حركة الجسملحظة دخول أمل إلى القاعة (تأخذه رعدة).
زيّن القاص محمد القطعاني النص (بالمثل) على لسان البطل؛ ليؤكد تفرده وعبقريته : (رب عجلة تهب ريثا) كلمات رمزية دلالية يستقبلها المتلقي بمتعة ورضا.
اللغة عند القطعاني لينة مطيعة، تمتد أبعادها لخدمة النص القصصي بكل أشكاله اللغوية والأدبية .
لقلم الأديب محمد ياسين القطعاني وسرده التحية والتقدير.
* أستاذة الأدب والنقد بالجامعة الليبية
