فن “ التكابيل” في المغرب

فن “ التكابيل”  في المغرب

من النقائض الشعبية إلى البلاغة القروية النسوية

   منير لكماني

يشكل فن التݣابيل إحدى أبرز تجليات التراث الشفهي المغربي، خصوصا في الأوساط القروية بجهات دكالة وسوس والشاوية وأحواز سطات. وهو فن يقوم على مناظرة كلامية حادة، تتقاطع فيها روح الهجاء بالمفارقة، والإرتجال بسرعة البديهة، في ما يشبه إمتدادا شعبيا لما عرفه الأدب العربي الكلاسيكي بفن النقائض. غير أن التݣابيل يختلف عن نقائض الشعراء الفصحاء مثل جرير والفرزدق في عنصر جوهري: إذ ينتقل مركز الخطاب من المجال الذكوري إلى الفضاء النسوي، فتغدو الكلمة ساحة تنازع إجتماعي داخل البادية، تتجلى فيها القوة والهيبة وموازين الجوار والقرابة.

الأصل وسياقات الممارسة

تنطلق “التݣابيل” غالبا من إحتكاك إجتماعي بسيط: كلمة في السوق، أو تعريض في وليمة، أو منافسة خفية أثناء جمع الحشيش أو أشغال الحقول. وقد يفتتح التحدي بقول دارج يلخص روح المواجهة: “إتيݣولي وأنا نݣول، وإياك نهار لبݣول”
أي: قولي ما شئت وسأرد عليك، وليكن يوم الرد يوم كلام لا صمت فيه.
بهذه العبارة تبدأ مناظرة لها قواعد ضمنية، تتقدم فيها الجمل على شكل طلقات لفظية، وتستند إلى خزان محلي من الأمثال والصور والمجازات، وتختبر قدرة المتكلمة على الرد الفوري دون تلعثم أو تراجع.

جبهة نسوية ومبارزة رمزية

لا تكون “التݣابيلة” مجرد سجال بين إمرأتين، بل قد تتحول بسرعة إلى صراع جماعي تمثيلي، تتدخل فيه نساء الدوار أو الحي كل بحسب موقعها وصلاتها. وفي لحظة التصعيد تستدعي الأسرة “الأبلغ” بين نسائها كي تمثلها، فتخرج المرأة المتمرسة إلى “الحلبة” محمولة على سمعة لسانها وحدته.
هنا تظهر قيمة الإرتجال: قدرة على النظم، وتركيب الشتيمة في قالب بلاغي، وإستدعاء صور قاسية من اليومي القروي، وأحيانا توظيف تعابير جارحة أو إيحاءات فجة لا تقال عبثا، بل تؤدي وظيفة إجتماعية: تفريغ الغضب، وكسر هيبة الخصم، وإعلان السيطرة الرمزية داخل الجماعة. ومن العبارات المتداولة في بعض مناطق دكالة مثلا: “آ خانزت الروينة” و”آ خانزت الركنة”، وهي سباب يشتغل كعلامة تحد لا ككلام منفلت فقط.

أخلاق ضمنية وحدود لا تتجاوز

ورغم قسوة الألفاظ، للتݣابيل أعراف تضبطه. فليس كل شيء مباحا، إذ يراعى في العادة عدم التطاول على كبار السن، وتجنب إدخال أسماء بعينها من الرجال أو الأطفال في دائرة الإهانة، كما يحدد للمواجهة مكان وزمان حتى لا تتحول إلى فوضى دائمة. وفي كثير من الحالات ينقل السجال إلى فضاء مفتوح بعيدا عن التجمعات، حفاظا على “الستر” وعلى ما يعتبره المجتمع حدودا للقول أمام الحضور.
ويروى أن بعض المواجهات كانت تتم فوق “كديات” متقابلة، تصعد كل متݣابلة إلى قمة ترد منها على الأخرى، فيرتد الصوت بين السفوح كأن الجغرافيا نفسها تشارك في صناعة المناظرة.

بنية الفن ودلالاته

يمكن النظر إلى التݣابيل بوصفه نقائض قروية بلسان عامي، لكنه يحمل أكثر من بعد لغوي. إنه تحويل للصراع الإجتماعي إلى عرض بلاغي، حيث تتواجه البلاغة بالبلاغة، والجرأة بالجرأة، ويقاس التفوق بحدة الرد وحسن الصورة وحضور الإيقاع. كما يعكس تحولا في مركز التعبير: من المدينة إلى القرية، ومن الفصحى إلى الدارجة، ومن إحتكار الرجال للكلمة إلى بروز صوت نسوي يطالب بالإعتراف.

ذاكرة اجتماعية حية

لا تختفي التݣابيل بإنتهاء الجولة. فهي تسجل في الذاكرة القروية كوقائع تروى، وقد تمتد الخصومات أشهرا أو أعواما، ثم تتحول إلى حكايات تعلم الأجيال معنى الفصاحة والدهاء الإجتماعي وحدود القوة داخل الجماعة. وحتى حين تتضمن عبارات خارجة، فإنها تفهم محليا بإعتبارها لغة دفاع رمزي أكثر من كونها رغبة في الإيذاء المباشر.
وقع الكلمة

يبرز فن التݣابيل قدرة الثقافة الشعبية المغربية على تحويل الشجار إلى صيغة فنية، والإنفعال إلى بيان، واللغة إلى سلاح رمزي مضبوط بأعرافه. وفي زمن تتراجع فيه الشفوية أمام وسائط الإعلام الحديثة، يظل التݣابيل شاهدا على غنى اللسان القروي، وعلى أن البلاغة ليست حكرا على النص المكتوب، بل قد تولد أيضا من قلب اليومي، حين تتحول الخصومة إلى منافسة، والكلمة إلى مقام.

28/02/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com